مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رِهانُ يقين/ للكاتبة/سعاد الصادق

رِهانُ يقين/
للكاتبة/سعاد الصادق

قصة قصيرة

ليس كلُّ صمتٍ ضعفًا… ولا كلُّ تأخّرٍ فشلًا.
فهناك لحظاتٌ فاصلة… إمّا أن تُسقطك، أو تُثبت أنك كنتَ على حق منذ البداية.

لم يكن صمتها ضعفًا… بل يقينًا.
كانت تجلس في ركنٍ هادئ من البيت، تُنصت لكلمات زوجها التي اعتادت قسوتها، دون أن تُقاطع. كان صوته ممتلئًا بالخذلان:
“أبناؤكِ لا يُعتمد عليهم… أضعتِ تعب السنين.”
لم تُجبه. فقط نظرت إلى أبنائها من بعيد… كانوا يضحكون، يتهربون من العمل، ويؤجلون كل شيء.
ربما كان كلامه يحمل شيئًا من الحقيقة… لكن قلبها رفض أن يُصدّقه كاملًا.
في داخلها، كان هناك صوتٌ آخر:
“سيأتي يوم… وسأرى.”
مرت الأيام ثقيلة، والهمسات حولها لا تهدأ:
“أبناؤها عالة… لا يُعوَّل عليهم.”
كانت تسمع… وتبتسم. لا دفاع، ولا جدال. فقط صبرٌ هادئ.
حتى جاء ذلك الصباح.
استيقظت القرية على فوضى لم تعرفها من قبل.
صراخ، أقدامٌ تركض، أبواب تُغلق بعجلة، ووجوهٌ شاحبة.
“اللصوص قادمون!”
الكلمة وحدها كانت كافية لتُسقط الطمأنينة من القلوب.
في ساحة القرية، احتشد الرجال. الآراء متضاربة، والخوف سيد الموقف:
“نعطيهم ما يريدون وننتهي…”
“لا طاقة لنا بهم…”
“سنُهلك إن قاومنا!”
وقفت هي بين الجمع، صامتة، تُراقب.
ثم التفتت إلى أبنائها.
كانت تلك النظرة… سؤالًا لا يُقال.
اقتربوا منها، وقد تغيّر شيء في وجوههم.
لم يكن تردد الأمس حاضرًا.
قال أحدهم:
“لن نُسلّم القرية.”
وقال آخر:
“نموت… ولا نعيش أذلاء.”
تأملتهم طويلًا… كأنها ترى ما انتظرته سنوات.
ثم قالت بهدوء:
“إذن… اثبتوا.”
في تلك الليلة، لم يكن في القرية نائم.
الأيدي التي لم تعتد العمل… كانت تحفر.
والأصوات العابثة… صارت أوامر حاسمة.
حفروا خندقًا حول القرية، غطّوه بعناية، نصبوا الفِخاخ، ووزّعوا مواقع الحراسة.
كان الخوف حاضرًا… لكنه لم يعد الأقوى.
وعندما اقترب اللصوص، كانوا يظنونها غنيمة سهلة.
لكن الأرض خذلتهم.
سقطت خيولهم في الخندق، وتعثّرت خطواتهم، وانهمرت عليهم الحجارة من حيث لا يتوقعون.
ارتبكوا… تراجعوا… ثم فرّوا.
مع أول ضوء للفجر، كانت القرية كما لم تكن من قبل.
هادئة… لكنها مختلفة.
وقف الناس ينظرون إلى الأبناء بدهشة… كأنهم يرونهم لأول مرة.
أما هي…
فلم تتكلم كثيرًا.
نظرت إلى زوجها، وفي عينيها شيء من الامتنان، لا الشماتة.
ثم قالت بهدوءٍ يشبه اليقين الذي سكنها طويلًا:
“ألم أقل لك… سيأتي يوم.”
لم يكن انتصارهم مجرد نجاة…
بل كان جوابًا.
جوابًا على سنواتٍ من الشك،
وعلى قلبٍ آمن… حين تردّد الجميع.
هذا هو رهانُ اليقين.