مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى

من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثامن: العلاقات التي تُشبه الإدمان
ليست كل العلاقات
تبدأ بالحب.
بعضها يبدأ
من فراغ طويل،
أو خوف قديم،
أو روح متعبة
كانت تبحث عن أي شيء
يشعرها أنها ما زالت حيّة.
في البداية،
يبدو الأمر بسيطًا جدًا.
شخص يمنحك اهتمامًا مختلفًا،
طمأنينة مؤقتة،
شعورًا نادرًا بالأمان،
فتشعر فجأة
أن وجوده يخفف شيئًا ثقيلًا بداخلك.
ومع الوقت،
لا يتعلق القلب بالشخص فقط،
بل بالحالة التي تشعر بها
وأنت معه.
وهنا يبدأ التعلق
في التسلل بهدوء.
في البداية،
كنت تريده بالقرب منك.
ثم أصبحت
تحتاجه ليهدأ عقلك.
ثم حدث شيء أخطر:
لم تعد تعرف
كيف تكون بخير بدونه.
وهذه هي اللحظة
التي تتحول فيها بعض العلاقات
من مساحة حب،
إلى مساحة اعتماد نفسي.
العلاقات التي تُشبه الإدمان
لا تقوم دائمًا
على الراحة الحقيقية،
بل كثيرًا ما تقوم
على الخوف.
الخوف من الوحدة،
الخوف من الفراغ،
الخوف من العودة
إلى ذلك الشعور القديم
أنك غير كافٍ وحدك.
ولهذا،
قد يبقى الإنسان
في علاقة تؤذيه طويلًا،
ليس لأنه سعيد،
بل لأنه لا يحتمل
فكرة الفقد.
بعض الناس
يعرفون جيدًا
أن العلاقة تستنزفهم،
وأنهم يتغيرون للأسوأ،
ويتنازلون أكثر مما ينبغي،
ويفقدون سلامهم تدريجيًا،
لكنهم رغم ذلك
لا يستطيعون الرحيل.
ليس لأن الحب دائمًا قوي،
بل لأن الخوف
أحيانًا يكون أقوى.
الخوف من أن يعود الإنسان
وحيدًا مع نفسه.
ولهذا،
ترى البعض
يتعلقون بأشخاص
يعاملونهم ببرود،
أو غموض،
أو حضور متقطع،
ورغم الألم…
يستمرون.
لأن العلاقات غير المستقرة
تخلق نوعًا خطيرًا من التعلق.
مرة تمنحك القرب،
ومرة تحرمك منه،
فتبقى طوال الوقت
منتظرًا الجرعة التالية
من الاهتمام.
وهنا،
لا يعود القلب مرتاحًا،
بل يصبح في حالة ترقب دائم.
رسالة صغيرة
قد تغيّر مزاج يوم كامل،
وغياب قصير
قد يفتح أبواب قلق
لا يفهمها الإنسان نفسه.
ومع الوقت،
تبدأ العلاقة
في استهلاك أجزاء من الروح.
يفكر الإنسان كثيرًا،
ويقلق كثيرًا،
ويراقب كثيرًا،
حتى ينسى نفسه تمامًا
وهو يحاول الحفاظ
على شخص آخر.
وهذا ليس حبًا صحيًا،
فالحب الحقيقي
لا يجعلك تعيش
في خوف دائم.
ولا يجعلك
تفقد اتزانك الداخلي
كلما ابتعد أحد.
لكن الإنسان أحيانًا
لا يبحث عن الحب أصلًا،
بل يبحث عمّن
يخدر وحدته لبعض الوقت.
ولهذا،
فإن بعض العلاقات
تشبه المسكنات.
تمنح راحة مؤقتة،
لكنها لا تعالج الجرح الحقيقي.
بل ربما
تزيده عمقًا مع الوقت.
الأصعب من ذلك،
أن الإنسان في هذه العلاقات
يفقد نفسه تدريجيًا
دون أن ينتبه.
يتغير أسلوبه،
وأفكاره،
وهدوءه،
وحتى كرامته أحيانًا،
فقط حتى يبقى
الشخص الآخر قريبًا.
وكأن العلاقة
تحولت من مشاركة إنسانية،
إلى محاولة نجاة.
ولهذا،
فإن أخطر العلاقات
ليست التي تؤذيك بوضوح،
بل التي تجعلك تعتاد الأذى
خوفًا من الفقد.
العلاقات الصحية
لا تسلب الإنسان نفسه،
ولا تجعله يشعر
أن حياته متوقفة
على وجود شخص واحد فقط.
فالطمأنينة الحقيقية،
لا تأتي من التعلق الشديد بالبشر،
بل من وجود مساحة مستقرة داخلك،
تحب…
لكنها لا تنهار بالكامل
إذا غاب أحد.
وربما لهذا،
فإن الحب الناضج
لا يقوم على الاحتياج الخانق،
بل على وجود شخصين
يستطيع كل منهما
أن يعيش وحده…
لكنه يختار الآخر
بسلام،
لا بخوف.

رسالة الفصل:
بعض العلاقات لا تستنزفنا لأننا نحب كثيرًا، بل لأننا نخاف الفقد أكثر مما ينبغي.

تمهيد الفصل القادم:
لكن الإنسان لا يتعلق بالأشخاص فقط…
أحيانًا،
يتعلق بفكرة كاملة عن الحياة،
ويعيش عمره يطارد صورة
قد لا تكون حقيقية أصلًا.