كتبت نازك حكيم:
الفصل الأول: الطفلة التي تسبق عمرها
في أحد أحياء بغداد القديمة،
حيث الأزقة تضيق بالذكريات،
والبيوت تتلاصق كأنها تخاف الفراق،
وُلدت فردوس.
لم يكن صباح ولادتها مختلفًا في الظاهر،
الشمس أشرقت كعادتها،
والناس خرجوا لأعمالهم،
والحياة مضت كما تمضي كل يوم…
لكن داخل ذلك البيت الصغير،
كان هناك حدثٌ سيترك أثره طويلًا…
ولادة طفلة لم تكن عادية.
أطلقت عليها أمها اسم “فردوس”،
وكأنها كانت تستشعر منذ اللحظة الأولى
أن هذه الطفلة ستكون حكاية… لا مجرد إنسان.
كبرت فردوس وسط عائلة بسيطة،
أبٌ يعمل بصمت،
وأمٌ تحمل العالم فوق كتفيها دون شكوى.
لكن فردوس…
لم تكن تشبه البساطة التي حولها.
منذ سنواتها الأولى،
كانت عيناها تلمعان بطريقة مختلفة،
كأنها ترى ما لا يراه الآخرون،
أو كأن داخلها حياة أكبر من عمرها.
كانت تضحك كثيرًا…
ضحكة صافية، لا تعرف الحذر،
تركض في أرجاء البيت،
وتملأه حياةً حتى في أكثر الأيام صمتًا.
أمها كانت تراقبها بصمت أحيانًا،
ثم تبتسم…
وأحيانًا أخرى، كانت تقلق.
“هذه الطفلة قلبها كبير…”
قالتها مرة لجارتها،
ثم أضافت بصوت خافت:
“وأخاف أن يتعبها هذا القلب.”
في المدرسة،
لم تكن فردوس مجرد طالبة.
كانت حضورًا.
حين تدخل الصف،
تلتفت الرؤوس دون سبب واضح،
وكأنها تحمل شيئًا خفيًا يجذب الانتباه.
لم تكن الأجمل فقط،
بل كانت الأكثر إشراقًا.
بشرتها الصافية،
شعرها الطويل الذي ينسدل كليلٍ هادئ،
وعيناها…
اللتان كانتا تقولان الكثير دون أن تتكلم.
لكن الجمال لم يكن وحده ما يميزها،
بل تلك الروح…
التي تجعل من حولها يشعرون بالراحة.
كانت صديقاتها يلتففن حولها،
يضحكن معها،
يهمسن لها بأسرارهن،
ويجدن فيها ملاذًا صغيرًا.
لكن،
ولأن الحياة لا تعطي شيئًا دون مقابل…
لم تكن كل القلوب صافية.
بعض النظرات كانت تحمل إعجابًا،
وأخرى… كانت تخفي غيرة صامتة.
وفردوس،
ببراءتها،
لم تكن ترى ذلك.
في إحدى الأيام،
وقفت أمام المرآة لأول مرة بوعي مختلف.
كانت في الثانية عشرة،
العمر الذي تبدأ فيه الأسئلة دون إجابات.
نظرت إلى نفسها طويلًا،
لم تكن تعرف ماذا تبحث،
لكنها شعرت بشيء غريب.
هل أنا جميلة؟
السؤال لم يكن واضحًا في عقلها،
لكنه كان حاضرًا في إحساسها.
تذكرت نظرات المعلمات،
ابتسامات النساء،
وحديث الفتيات عنها.
وضعت يدها على خدها،
ثم ابتسمت بخجل…
لم تكن تدرك أن هذه اللحظة،
هي بداية علاقة طويلة بينها وبين “صورتها”.
مرت الأيام،
وبدأت فردوس تفهم شيئًا فشيئًا
أنها مختلفة.
ليس لأنها أرادت ذلك،
بل لأن الآخرين جعلوها ترى نفسها هكذا.
أصبحت تهتم أكثر بمظهرها،
ترتب شعرها بعناية،
تختار كلماتها،
وتراقب كيف يراها الآخرون.
شيئًا فشيئًا،
بدأت تبني نفسها…
لكن ليس كما هي،
بل كما يراها الناس.
وهنا،
بدأت أول بذرة خفية في روحها…
بذرة الاعتماد على نظرات الآخرين.
في أحد الأيام،
جلست بجانب أمها في المساء،
وقالت لها ببراءة:
“ماما… هل أنا جميلة؟”
ابتسمت الأم،
وضمتها إلى صدرها،
وقالت بثقة:
“أنتِ جميلة… لكن الأجمل هو قلبك.”
لم تفهم فردوس معنى الجملة تمامًا،
لكنها احتفظت بها…
في مكانٍ ما داخلها.
مكانٍ ستعود إليه يومًا…
حين يتعبها كل شيء.
كانت الحياة في تلك المرحلة بسيطة،
خفيفة،
تشبه نسيم الربيع.
لكن…
الربيع لا يدوم.
وكانت الأيام القادمة
تحمل لفردوس
ما لم تكن مستعدة له.
وفي تلك الليلة،
نامت فردوس بهدوء،
تحلم بمستقبلٍ مليء بالحب،
والضحكات،
والوجوه التي لن ترحل.
لم تكن تعرف…
أن أول درس في الحياة
سيكون:
“ليس كل من يقترب… يبقى.”






المزيد
فن التكيف بقلم نورهان راضي كحله
البعد الروحى/ بقلم/سعاد الصادق
بوسعادة… مدينة الرمال وتاريخ العظماء