بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)
في تقديري، أن أزمة الزحام ليست دائماً أزمة طرق، بل كثيراً ما تكون أزمة تنظيم وإدارة وتدفق؛ فقد تمتلك مدينة ما شوارع واسعة ومحاور حديثة، ثم تجد الحركة فيها مختنقة بصورة دائمة، بينما توجد مدن أخرى أقل اتساعاً لكنها أكثر انسيابية بسبب حسن الإدارة والرقابة.
ومن المهم هنا أن نؤكد أن ما شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة من إنشاء محاور وكباري وطرق جديدة كان خطوة ضرورية ومهمة للغاية؛ لأن الزيادة السكانية الضخمة كانت كفيلة بتحويل الحركة داخل المدن إلى شلل كامل لولا هذه التوسعات. لكن المرحلة التالية — في ظني — يجب أن تكون مرحلة “رفع كفاءة التشغيل”، أي الانتقال من مجرد إنشاء الطرق إلى إدارة التدفق داخلها بصورة أكثر دقة.
تجارب دولية: تقليل الفوضى قبل الخرسانة
ولعل تجربة “لندن” مثال مهم في هذا الباب؛ فقد كانت تعاني في التسعينات من اختناقات مرورية خانقة، ومع ذلك لم تعتمد فقط على توسعة الطرق، بل ركزت على حزمة حلول تنظيمية شملت:
إعادة توزيع الحركة وتنظيم المسارات.
تحسين الإشارات المرورية الذكية.
فرض رقابة صارمة وتغليظ الغرامات.
تطبيق رسوم دخول المناطق المزدحمة وقت الذروة (Congestion Charge).
تفريغ نقطة الاختناق: نموذج “تقاطع جسر السويس”
أحياناً يكمن الحل فقط في دراسة خريطة المنطقة جيداً؛ وهنا أتذكر مثالاً واضحاً من منطقة مصر الجديدة، وهو تقاطع جسر السويس مع شارع القبة. هذا التقاطع ظل لسنوات نقطة اختناق مرورية مرهقة للغاية، والسبب ليس ضيق الطريق، بل طبيعة التدفق نفسها؛ فالإشارة هناك تجمع اتجاهات عديدة ومتعارضة في وقت واحد:
القادم من السواح والمتجه إليها.
القادم من روكسي والمتجه إليها.
القادم من كوبري القبة والعائد إليه.
القادم من التجنيد والمتجه نحوه.
بينما كان من الممكن تخفيف جزء كبير من هذا الضغط عبر إعادة توزيع الحركة على الشوارع الموازية مثل (شارع طومان باي وشارع البوصيري)، بحيث تُخصص اتجاهات معينة لكل طريق مع تطبيق رقابة صارمة؛ فأحياناً لا تحتاج المدينة إلى هدم وإعادة بناء، بل تحتاج فقط إلى “تفريغ نقطة الاختناق”.
الرقابة الحازمة والردع الرقمي
وهنا نصل إلى العنصر الأهم: الرقابة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما يراه أسهل وأسرع، حتى لو تسبب في إرباك الآخرين؛ ولهذا فإن سلوكيات مثل: (السير عكس الاتجاه، الوقوف العشوائي، قطع الطريق المفاجئ، التحميل خارج المحطات، واحتلال أكثر من حارة) كلها سلوكيات قادرة وحدها على شل طريق كامل مهما بلغت سعته.
لذلك فإن المدن الناجحة مروريّاً لا تعتمد على حسن النوايا، بل على: الكاميرات، الغرامات الفورية، الردع المستمر، ووضوح القواعد؛ فالرقابة ليست ترفاً، بل جزء من بنية الطريق نفسها.
فوضى خلط المركبات وسياسة “خطف الركاب”
من القضايا الجوهرية أيضاً مسألة خلط جميع أنواع المركبات في مسار واحد؛ فليس منطقياً أن يتحرك (الميكروباص، التوك توك، الموتوسيكل، الأتوبيس، والسيارة الملاكي) بالسلوك نفسه والسرعة نفسها، ثم نتوقع انسيابية. هذه الأنماط تُنتج تضارباً دائماً، ولهذا تعتمد المدن الحديثة على:
تخصيص مسارات منفصلة للحافلات ووسائل النقل الجماعي.
إنشاء طرق خدمة وفصلها نسبياً عن السيارات الخاصة.
تنظيم أوقات وحركة عمليات شحن وتفريغ البضائع.
كما أن نظام “النسبة” المعمول به لدى بعض سائقي الميكروباص يصنع مشكلة حقيقية؛ لأنه يضع السائق في سباق دائم لخطف الركاب عبر التوقف المفاجئ وتعطيل نهر الطريق، بينما يفترض أن تكون الأولوية للالتزام بالمواعيد والمحطات لا بعدد الركاب.
الخلاصة:
المرحلة القادمة ليست مرحلة طرق فقط، بل مرحلة “تنظيم حضري ذكي” يقوم على خمس ركائز: (الانضباط، الرقابة، توزيع الحركة، احترام المحطات، والإدارة الدقيقة للتقاطعات). فالمدينة الحديثة لا تُقاس بعدد الكباري والمحاور، بل بقدرتها على تحويل هذا كله إلى حركة منضبطة، آمنة، وإنسانية.






المزيد
اتحاد أقوى/ يبدأ بعقل يفهم التغيير/ بقلم/ الكاتبة/ سعاد الصادق
الذكاء الاصطناعي ليس غشاً،/ إنه اختبار جديد للذكاء الحقيقي
“اتحاد الناشرين المصريين بين جيل يريد التطوير… وعقلية تخشى التغيير”