بقلم: ليمار وليد
في زمنٍ ازداد فيه الإنتاج السينمائي بصورة هائلة، أصبح الإنسان يميل أكثر إلى مشاهدة أفلام الجرائم والقتل والعنف، دون أن يتوقف كثيراً أمام ما يستقبله عقله من مشاهد متكررة قد تترك أثراً نفسياً وفكرياً مع مرور الوقت؛ فكلما تكررت مشاهدة العنف، أصبح مألوفاً أكثر مما ينبغي.
ولعلّ السبب في كثرة إنتاج هذا النوع من الأفلام هو الإقبال الكبير عليه؛ إذ يرى المنتجون والمخرجون أن أعمال الجريمة والتشويق من أكثر الفنون جذباً للمشاهد المعاصر. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذا النوع من الأفلام مجرد وسيلة ترفيه؟ أم أنه يترك انعكاساً حقيقياً على الواقع الإنساني؟
أولاً: متلازمة الاعتياد والبلادة الحسيّة
إن التكرار المستمر لمشاهد القتل قد يجعل بعض الأفراد أقل حساسية تجاه فكرة الجريمة، فتتحول رؤية الدماء والعنف إلى أمر مألوف لا يحمل الصدمة نفسها التي كان يجب أن يتركها. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن اعتياد الإنسان على رؤية الجريمة:
يُضعف شعوره الفطري بفظاعتها.
يجعل العنف يبدو أقل رهبة مما هو عليه في الحقيقة.
يشكّل شخصية أكثر عدوانية أو أقل تعاطفاً مع الألم الإنساني.
ثانياً: صناعة “البطل الخشن” وتأثيره على المراهقين
لا يمكن القول إن الأفلام تصنع مجرماً بشكل مباشر؛ فالجريمة قضية معقدة ترتبط بالتربية، والبيئة، والاضطرابات النفسية، والظروف الاجتماعية. لكن لا يمكن أيضاً إنكار أن بعض الأفلام قد تؤثر بشكل غير مباشر، خاصة عندما تُقدَّم شخصية القاتل بصورة بطولية، أو يُربط العنف بالقوة والهيبة والسيطرة.
وهنا يظهر التأثير الأكبر على فئة المراهقين؛ لأن بعضهم قد يشاهد دون امتلاك وعي كافٍ للفصل بين الخيال والواقع، فيميل إلى تقليد السلوكيات التي يراها جذابة أو قوية. فالعقل البشري بطبيعته يتأثر بما يشاهده باستمرار، وينعكس ذلك على لغته، وانفعالاته، وحتى طريقة تعامله مع الآخرين.
ثالثاً: أسئلة الوعي والضمير الإنساني
لكن يبقى السؤال الأهم والإشكالية الأعمق:
1 هل كثرة انتشار أفلام العنف والقتل مجرد استجابة لطلب المشاهد؟ أم أنها انعكاس لطبيعة مجتمع بات يجد في العنف عنصراً للمتعة والإثارة؟
2 ما الرسالة التي يخرج بها المشاهد بعد ساعة من متابعة القتل والدمار؟ هل يتعلم أن الجريمة بطولة، أم يدرك أنها مأساة تكشف هشاشة الإنسان حين يفقد إنسانيته؟
خلاصة:
في النهاية، لا تكمن المشكلة في الفيلم وحده، بل في طريقة تقديمه، وفي وعي المشاهد نفسه. فالفن قد يكون وسيلة لفهم الواقع، لكنه قد يتحول أيضاً إلى أداة تطبيع مع العنف إذا غاب الوعي، وضعف الإدراك، وأصبحت الجريمة مجرد مشهد عابر لا يهز الضمير.






المزيد
أزمة المرور: هل الحل في الخرسانة أم في الإدارة والتدفق؟
اتحاد أقوى/ يبدأ بعقل يفهم التغيير/ بقلم/ الكاتبة/ سعاد الصادق
الذكاء الاصطناعي ليس غشاً،/ إنه اختبار جديد للذكاء الحقيقي