بقلم/ عبير البلوله محمد
في زقاقٍ من زوايا الوجع، ضيّق كحنجرة الخيبة، وُلِدتُ كما تولد الذكرى في لحظة نسيان، بلا استئذان، بلا طبول، بلا تمهيد، كنت كأنفاسٍ تتسلل في صدرٍ أنهكه الصمت، كحكايةٍ تبدأ من الصفحة الأخيرة، حين يكون البدء ترفًا لا يُمنح أمثالي.
عشتُ في عالمٍ يعشق البدايات، أنا سليل النهايات، كُتب عليّ أن أكون الخاتمة في كتبٍ لا تعترف بالسطور الأولى، أن أكون ظلّ الحكاية، صدى الحرف المنسي في نهاية السطر، كانوا يقرؤونني بعينٍ لا ترى، ويقلبون صفحاتي الأولى بحثًا عن نهاية تليق بانطباعهم الأول، لا بانكساري الدفين.
لكنني ما انكسرت، بل انعطفت، فما ظنوه سقوطًا كان في عينيّ انحناءة شموخ، أنا من خبّأتُ أحلامي في علبة من خشب القلب، ربطتها بخيط من صبرٍ قديم، وضعتها على رفّ الانتظار، لم أُحدّث أحدًا عنها، لا لأنني نسيت، بل لأن الحياة لا تمنح الوقت لمن يشبهونني، نحن الذين نكتب الأمنيات على ورقٍ مبتلّ، نعرف أن الحبر لا يجف في العاصفة.
الحياة، وعدتني بحقول من ضوء، ثم قادتني إلى دهاليز بلا نوافذ، لكنها رغم ذلك، لم تُطفئ فيّ شرارة السعي، لم تقنعني بأن النهاية قيدٌ لا يُكسر، كنتُ أمضي كجنديّ وحيد، يحمل في قلبه راية لم تُرفع بعد، يمضي في موكب الانكسارات بعينٍ لا تخاف من الظلام، لأن فيها نور اليقين.
في عالمٍ لا يرى من الحكاية سوى أولها، كنتُ أكتشف أن في النهايات روح البداية، أن كل سقوط، إن تمعّنت فيه، يشبه ارتقاءً مؤجلًا، فليس كل من تأخر فاته الركب، ليس كل من بدأ بلغ.
أدركت متأخرًا أني لا أحتاج إلى مقدمة تُطرّز بالمدح، بل إلى قارئ يعرف أن النهاية مرآة العمق، وأن أعظم الحكايات لا تُكتب في ضوء الشمعة، بل في رماد الحريق.
فإذا أردت أن تعرفني، لا تبحث عني في فاتحة الكلام، بل في صمته، لا في أول السطر، بل في نقطته الأخيرة، لأن الحقيقة لا تصرخ في وجه الزمن، بل تهمس له في وداعٍ طويل.
وفي الختام، تذكّر:
الحكايات العظيمة لا تبدأ من البداية، بل تولد حين يُغلق الكتاب.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى