بقلم: سها طارق “استيرا”
دخل حياتي شخص ظننته العوض من الله لي، أحمد، الذي كان يتمتع بشخصية جذابة، وعينين تحملان بريق الأمل. كان يظهر لي كل شيء جميل فيه، من حنانه وكلماته الرقيقة، حتى ذلك اليوم الذي تركني فيه يوم كتب الكتاب. كان يومًا مشؤومًا، شعرت وكأنني انكسرت تمامًا، كأن روحي قد سُلبت مني. لم أفهم لماذا فعل ذلك بي، ولماذا بعد كل تلك الوعود التي منحتني شعور الأمان. ما هو ذنبي؟ كنت أموت من القهر، وفكرة أن يتركك شخص كان يمثل كل حياتك تدمرك كليًا.
أذكر ذلك اليوم وكأنه الأمس. كانت السماء ملبدة بالغيوم، وكأنها تشارك حزني. حاولت أن أضع حدًا لمعاناتي، فتناولت كمية كبيرة من الدواء، ودخلت المستشفى. غبت في غيبوبة لمدة أسبوعين، وعندما استعدت وعيي، وجدت نفسي محاطة بأهلي، الذين كانوا يشاهدونني في صمتٍ مؤلم. كانت عيونهم مليئة بالقلق والحزن، وكأنهم يعانون معي دون أن يعرفوا كيف يخففوا من ألمي.
أنا وعد، فتاة في الثلاثين من عمري، كنت مخطوبة لمدة ثلاث سنوات. كنت أشعر أني ملأت حياتي بالأمل والدعوات، وأتذكر كيف كان يسرد إلي بأنه يرفع يديه في صلواته، ليطلب من الله أن أكون نصيبه، أو هكذا كان يقول لي. كنا نعيش في عالم من الأحلام، كأننا في فيلم رومانسي، لكن تلك الثقة تحطمت في لحظة، ككسر زجاجة كانت تعكس أحلامنا. يوم كتب الكتاب، اختفى تمامًا. اتصلت به مرارًا وتكرارًا، حتى ردت فتاة قائلة: “أنتِ مين؟ أحمد في خطوبته.” شعرت وكأن الأرض قد انشقت تحت قدمي، وكأن كل شيء كان كذبة. كيف يتركني يوم كتب كتابنا ويخطب غيري؟ انهرت وتناولت جرعة من الدواء وغبت عن الوعي.
عندما استعدت وعيي، اكتشفت أن حتى أصدقائي لم يسألوا عني. وجدت حولي فقط أبي وأمي وأخي محمد، الذين كانوا يراقبونني بقلوب متعبة. كان وجه أمي شاحبًا، وعيناها مليئتين بالدموع. عندما أخبرتني ابنة خالتي أن أحمد فعلًا خطب، كانت الصدمة أكبر بأنه خطب صديقتي التي عرفتها منذ سنوات طويلة. شعرت أن دموعي جفت، وكأن قلبًا آخر قد انكسر في صدري. لكن في أعماق قلبي، كان هناك صوت يهمس لي بأن الحياة تستمر، وأن الألم لن يدوم.
قررت أن أقف على قدمي، وقبل أن أستعيد قوتي بالكامل، قررت أن أتخلى عن حبي له. لم يكن يستحق وعده، كان منافقًا، وكل شيء كان كذبة في النهاية. تساءلت: إذا كان يحبها، لماذا خطبني؟ لماذا جعلني أتعلق به كل هذه السنوات؟
خرجت من المستشفى وأنا أعد نفسي أن أتخطى الأمر، فهو لا يستحقني والله لا يستحقني. كان مجرد ظل يذكرني بالألم. اكتفيت بقول “حسبي الله ونعم الوكيل” وأقسمت أن الله سيأخذ حقي منه. مرت الأيام، لا أعرف كيف كانت تمر، لكن كل يوم كنت أحارب قلبي ونفسي لاستعادة توازني، لأن ما فعله كان مؤلمًا جدًا، ككسر عود في الرياح.
فجأة، في يوم من الأيام، تلقيت مكالمة من رقم غريب. فتحت الهاتف وقلت: “ألو”. كان صوته هو الذي سحبني إلى أعماق الجرح مجددًا. “أنت!” قالها بصوتٍ محمل بالأسى. “نعم، أنا أحمد.”
“ماذا تريد يا أحمد؟” سألت، بينما كان قلبي يتألم على ذكر اسمه، وكأن كل ذكرى معه تعود لتطاردني. “أريد أن أخبرك، يا وعد، أنني خطبت بسببك.”
“بسببي أنا؟”
“نعم، لأنك لم تقدري حبي.”
“أنت تعلم يا أحمد أنني أحبك، لكن لم أكن أرغب في غضب الله. كنت أرغب في أن يكون كل شيء بالحلال.”
“أعلم يا وعد، لكنني رجل وأحس، وما كنت تفعلينه كان يوجعني.”
“أفعله؟ يا الله، ضحكتني. لا يوجد سبب يجعلك تقول ذلك، فجاءت تلقي باللوم عليّ.”
“أنت قاسي جدًا، يا أحمد، قاسي لأنك جرحت فتاة وذهبت لتخطب غيرها وتعيش سعيدًا. ويومما تركتك الفتاة الأخرى عدت إلي. لكن لا، يا أحمد، لو كنت آخر رجل في العالم، لن أقبل بعودتك إلى حياتي. لن أسامحك أبدًا، أنا خصيمتك ليوم القيامة، وإذا كان بينك وبين الجنة ذنبي، لن أسامحك.”
“أنت أكثر شخص آذاني، وأكثر شخص جعلني أكره الحياة. اذهب يا أحمد، عد إليها أو ابحث عن فتاة تشبهك وتوافقك.”
“وعد، اسمعيني فقط.”
“كفاية، لا أريد أن أسمع شيئًا. اخرج من حياتي.”
أغلقت الهاتف وحظرت رقمه، وجلست مع نفسي وقلت: “يا رب، أنا لم أظلمه، هو الذي آذاني. حتى لو كنت أحبه، الحب مع شخص لا يؤتمن لا يستحق. نحن غالون ونستحق من يقدرنا، نستحق الحب الحقيقي مع شخص تقي ونقي يخاف الله فينا.”
في تلك اللحظة، أدركت أنني سأبدأ من جديد، وأن الجرح الذي تركه في قلبي لن يمنعني من التقدم نحو حياة أفضل. سأختار أن أكون بعيدة عن الألم، لأفتح بابًا جديدًا للأمل، وأن أستحق ما هو أفضل. وفي تلك اللحظة، قررت أن أكتب قصة جديدة، مليئة بالحب الحقيقي والاحترام، قصة تليق بي.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى