مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

رسائل بين الصفحات: بقلم :سعاد الصادق

رسائل بين الصفحات:
بقلم :سعاد الصادق

 

قصة قصيرة

 

في مكتبة قديمة، تكتشف منار أن بعض المشاعر تُكتب ولا تُقال.
رسالة مخبأة بين صفحات كتاب تعيد فتح حكاية صامتة مع عادل، حيث يصبح الغياب أكثر حضورًا من اللقاء…

كانت المكتبة القديمة غارقة في صمتٍ يشبه همس ذكريات نائمة على الرفوف.
الضوء الابيض يتسلّل من مصباح عتيق فوق رأس منار، ينعكس على صفحات الكتب كأنه يمسح عنها غبار السنين.
دخلت كعادتها، تبحث عن شيء لا تعرف اسمه، وتخشى أن تعثر عليه في اللحظة ذاتها.

بين الرفوف، لمحت ظلًّا تعرفه جيدًا . عادل.
كان يقف أمام الكتب كما لو أنّه يقرأ حياة كاملة، لا عناوين.
اقترب ببطء، دون أن يرفع عينيه عنها، وقال بصوت منخفض:
“ما زلتِ تبحثين بين الصفحات؟”

توقفت يدها على كتابٍ مفتوح.
لم تجبه، لكنها شعرت أن السؤال أكبر من الكلمات، وكأنّه يعيدها إلى زمن لم تحسمه يومًا.
مدّ لها كتابًا كان يمسكه، وقال وهو ينظر إلى الرفّ لا إليها:
“هناك كتب… لا نكملها، لكننا لا نملك أن نتخلّى عنها.”

سقطت جملته في قلبها كحقيقة مؤجَّلة.
انسحبت من الممرّ لتلتقط أنفاسها، وحين عادت لم تجد له أثرًا،
كأنه صفحة قُلبت قبل أن تُفهَم تمامًا.

مدّت يدها إلى الكتاب الذي تركه،
وما إن فتحته حتى سقطت ورقة صغيرة بين صفحات المنتصف.
كانت رسالة قصيرة بخطّه الذي تعرفه كما تعرف حيرتها:

“كنت أظن أن البعد نجاة،
لكنني حين ابتعدت لم أجد طريقًا لا يعود إليك.
إن قرأتِ هذه السطور… فأنا ما زلت هنا، بين الصفحات.”

وقفت منار لحظات، تتأمل الكلمات كأنها تسمع نبضًا لا حبرًا.
أعادت الورقة إلى مكانها، وأغلقت الكتاب ببطء، ثم حملته إلى الرفّ الأمامي لتعيده…
لكن شيئًا ما استوقفها.

في الصفحة الأخيرة، بخطّ صغير يكاد لا يُرى،
كان هناك توقيع وحيد:
عادل ؟!

لا رسالة هذه المرة.
ولا كلمة واحدة.
فقط حضور بسيط يعلن نفسه… ثم يختفي.

ابتسمت منار، لا فرحًا كاملًا ولا ألمًا كاملًا،
بل ابتسامة من يقف على حافة بداية لا يعرف اتجاهها.
خرجت من المكتبة والكتاب بين يديها،
وفي قلبها سؤال لم تُجب عليه بعد:

هل كان التوقيع دعوة… أم وداعًا؟

أُغلق الباب خلفها ببطء،
وبقيت الرسالة بين الرفوف،
تنتظر قراءة أخرى…
ربما ستكون لها، وربما لا…