وكأننى أخذتُ أبنائى إلى قدرهم
الكتاب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل الثانى عشر
وكأننى أخذتُ أبنائى إلى قدرهم المحتوم بالمرض والموت القريب
السر
أقسى ما يمر به الإنسان ليس الألم، بل أن يظن أنه كان سببًا فى ألم من أحب.
هناك أقدار تؤلمك، ثم تمضى.
وهناك أقدار لا تكتفى بأن تؤلمك، بل تجعلك تقف أمام نفسك متهمًا، تبحث فى كل قرار اتخذته، وفى كل خطوة خطوتها، وفى كل طريق اخترته، لعلّك تجد اللحظة التى بدأ منها هذا الوجع.
وهذا هو أكثر ما مزقنى.
لم أخف من المرض وحده.
ولم أخف من الموت وحده.
بل خفت من السؤال الذى أخذ يطاردنى كل ليلة:
هل كنت أنا السبب؟
حين قررت أن أبتعد، كنت أظن أننى أهرب بأبنائى من خطر أعرفه.
لم أكن أعلم أن الحياة تخبئ لنا خطرًا آخر، لا يُرى، ولا يُسمع، ولا يمكن الهروب منه.
وفجأة…
وجدت نفسى أقف أمام سرير المرض، أراقب طفلًا لم يعرف من الدنيا إلا القليل، وأحاول أن أفهم كيف يمكن لقلب صغير أن يحمل كل هذا الألم.
فى تلك اللحظة، سقطت كل الحسابات.
لم يعد يهمنى من كان على صواب، ومن كان على خطأ.
لم يعد يهمنى إن كنت قد كسبت معركة المبادئ أو خسرتها.
كان كل ما أريده أن أسمع كلمة واحدة:
سيكون بخير.
لكن الحياة لم تكن تمنحنى هذه الطمأنينة.
وكان الشيطان يعرف من أين يدخل إلى القلب.
لم يأتنى من باب اليأس.
بل جاءنى من باب الأمومة.
بدأ يهمس:
“لو لم ترحلى… لما حدث هذا.”
“لو بقيتِ… ربما ما مرض.”
“لو اخترتِ طريقًا آخر… ربما كان كل شىء مختلفًا.”
وكنت أقاوم هذه الهمسات بكل ما بقي فى قلبى من يقين.
لكننى بشر.
والأم حين ترى ابنها يتألم، لا يبقى عقلها كما كان.
تبدأ بمحاكمة نفسها.
تراجع سنوات عمرها.
تفتش عن خطأ ربما لم يكن موجودًا أصلًا.
لأنها تبحث عن تفسير، لا عن إدانة.
فالوجع الذى لا يجد تفسيرًا… يخلق متهمًا.
وغالبًا ما يكون هذا المتهم هو الأم نفسها.
كنت أنظر إلى وجهه الصغير، وأسأل الله فى صمت:
يا رب…
إن كان الألم لابد أن ينزل على أحد، فليكن على قلبى أنا، لا على جسده.
كنت أشعر بالعجز لأول مرة.
ليس لأننى لا أملك المال.
ولا لأننى لا أملك الدواء.
بل لأننى لا أملك أن أقتسم المرض معه.
وهذا هو عجز الأم الحقيقى.
أن ترى طفلها يتألم…
ولا تستطيع أن تأخذ مكانه، ولو لدقيقة واحدة.
ومع مرور الأيام، بدأت أفهم شيئًا لم أكن أراه.
أن القدر لا يسألنا عن نوايانا لأنه يعلمها.
ولا يحاسبنا على نتائج لم تكن فى أيدينا.
لقد خرجت حفاظًا عليهم.
ولم أخرج هربًا منهم.
واخترت ما رأيته حقًا.
أما المرض…
فلم يكن نتيجة قرارى.
بل كان قدرًا كتبه الله قبل أن أولد، وقبل أن يولدوا.
وحين أدركت ذلك، لم يختفِ الألم.
لكنه توقف عن التحول إلى اتهام.
وتوقفت عن الوقوف كل ليلة فى قاعة محكمة لا يوجد فيها إلا أنا…
أحاكم نفسى على ذنب لم أرتكبه.
رسالة الفصل
حين يؤلم القدر من نحب، لا تجعل الشيطان يحول محبتك إلى تهمة، فليس كل ما يؤلمك كنت أنت سببه.
تمهيد الفصل الثالث عشر
لكن السؤال لم يمت…
بل ازداد عمقًا، حتى تحول إلى مناجاة لا يسمعها إلا الله:
“يا الله… هل تُحاسبنى على ذنبٍ لم أقترفه؟”






المزيد
من صفحات رواية “قلب صامت يعشق ” بداية الحديث بقلم إيمان يوسف أحمد
إليكِ أنتِ بقلم إيثار باجوري
حين يصبح الحنين وطنًا بقلم الكاتب : فلاح كريم العراقي