مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح الحنين وطنًا بقلم الكاتب : فلاح كريم العراقي 

حين يصبح الحنين وطنًا

الكاتب : فلاح كريم العراقي 

 

ليس كل غيابٍ يُقاس بعدد الأيام، فبعض الغياب يبدأ من القلب، ثم يمتد حتى يغيّر ملامح الزمن. فجأةً يصبح الصباح أقل إشراقًا، ويغدو المساء أكثر اتساعًا، وتمضي الحياة كما هي في عيون الآخرين، بينما تتوقف في الداخل عند آخر لحظةٍ سكنتها الأرواح التي أحببناها.

 

أحملهم في أعماقي كما تحمل الأرض سرَّ المطر، لا يراهم أحد، لكن أثرهم يزهر في كل نبضة. وكلما مرّ الوقت، ازددت يقينًا أن المحبة الحقيقية لا تنتهي بالغياب، بل تتحول إلى نورٍ خفيٍّ يرافق الروح، وإلى وجعٍ نبيلٍ يجعل القلب أكثر إنسانية، وأكثر وفاءً.

 

أحيانًا أشعر أن الذاكرة ليست مكانًا، بل وطنٌ كامل، أعود إليه كلما ضاقت بي الدنيا. هناك تبتسم الوجوه كما كانت، وتضحك الأصوات كما عرفتها، وتبقى اللحظات الجميلة معلقةً على جدار الروح، لا يسرقها العمر ولا تطفئها السنون.

 

وما أقسى أن يعيش الإنسان بين الجموع، بينما يبحث قلبه عن ملامحٍ واحدة، وعن دفءٍ واحد، وعن حضورٍ لا يشبهه حضور. فليس كل من حولنا يملأ الفراغ، لأن بعض الأرواح خُلقت مرةً واحدة، وإذا ابتعدت، ظل العالم كله عاجزًا عن أن يكون بديلًا لها.

 

ومع ذلك… يبقى في القلب مصباحٌ لا تنطفئ شعلته، اسمه الأمل. أملٌ بأن كل حبٍ صادقٍ لا يضيع، وأن كل دعاءٍ خرج من قلبٍ مخلصٍ يجد طريقه إلى السماء، وأن اللقاءات التي يكتبها الله للأرواح، تأتي في أجمل وقت، بعد أن يكتمل الصبر، ويصبح الشوق صلاةً لا تنتهي.