“في يوم مولدي”
✍ ️بقلم الكاتبة : علياء فتحي (نبض)
وتركت ما بين يدي من أعمالٍ وضجيج، واخترت أن أختلي بنفسي لدقائق قليلة، أسترد فيها شيئًا مني، وأمنح روحي هدنةً قصيرة من صخب الأيام. حملت قلمي، ذلك الرفيق الذي لم يخذلني يومًا، وكأنني أعود إلى صديق قديم طال الغياب بيني وبينه. دقائق أختلسها من الزمن، لن تنقص من عمر أحد، وربما هي أقل ما أستحقه في يومٍ كهذا.
يا قلمي العزيز… كم اشتقت إليك.
اشتقت لأن أبوح لك ببعض ما أثقل صدري، وأن أترك نبضات قلبي تنساب فوق صفحاتك، فأسمعها قبل أن أكتبها، وأشعر بها قبل أن تنطقها الكلمات.
لا أدري عمّا سأكتب تحديدًا، وربما لن يكون ما أسطره سوى مشاعر متناثرة، لكنني أعلم يقينًا أن بداخلي شعورًا غريبًا يلحّ عليّ، شعورًا أعجز عن وصفه مهما حاولت.
متى مضى العمر بهذه السرعة؟
وأين كنا… وأين أصبحنا؟
وكيف سيكون الغد؟ وماذا يخبئ لنا في طرقاته المجهولة؟
لو أخبرني أحد قبل عام فقط أنني سأعيش كل ما عشته خلاله، لما صدقته أبدًا. كنت سأظنه يروي قصة لا يمكن أن تكون لي.
لكنه مضى… عامٌ كامل، بدا وكأنه عمرٌ بأسره، امتلأ بتجارب لا تُحصى، واختبارات لم أكن أتخيل أنني سأمر بها يومًا.
في كل عام كنت أشعر أنني أتعلم، وأنضج قليلًا، وأكتسب شيئًا جديدًا من الحياة. أما هذا العام، فأشعر أنه لم يمنحني الخبرة فقط، بل أخذ مني الكثير… أكثر مما تستطيع الكلمات أن تصفه.
كان عامًا ازدحم بالتجارب، والدروس، والصعوبات، والمرض، والعجز الذي لازمني لأشهر طويلة، والأزمات التي توالت دون استئذان. وكأنه وحده سنوات طويلة اختُصرت في عام واحد، عشت فيه الممكن والمستحيل، وما تجاوز حدود المنطق.
عرفت فيه خوفًا لم أعرفه من قبل.
وتعرفت فيه إلى أكبر عدد من البشر في حياتي، من أوطانٍ مختلفة، وبلدانٍ متباعدة، وثقافاتٍ متعددة.
اكتسبت خبرات كثيرة، وودعت أحلامًا كنت أظنها قدرًا، واستقبلت أحلامًا جديدة لا أدري إن كانت هي الطريق الذي كُتب لي.
وفي المقابل، ودعت أجمل ما قد يمتلكه الإنسان دون أن يشعر بقيمته إلا بعد فقده… الأمان، وراحة البال، وذلك الوقت البسيط الذي كان لي وحدي.
دفعت ثمن النجاح في عملي غاليًا. بذلت الكثير من راحتي، واستنزفت جزءًا كبيرًا من طمأنينتي واستقراري النفسي، فقط لأنني أردت أن أكون سندًا للآخرين.
واجهت ضغوطًا لا تنتهي، ومسؤوليات تتزايد كل يوم، حتى شعرت أحيانًا أنني أحمل فوق كتفي ما يفوق قدرتي.
ودعت أشخاصًا، وتبدلت علاقتي بآخرين، واستقبلت وجوهًا جديدة أصبحت جزءًا من رحلتي.
حدث الكثير…
ورغم كل شيء، ربحت محبة صادقة من كثيرين، وربحت أشخاصًا رائعين، أظن أن العمر قد لا يجود عليّ بأفضل منهم.
ورأيت بعيني من وقف إلى جواري في أشد لحظات ضعفي، دون مصلحة أو ادعاء.
تعاملت مع أناس لا يُحصون، وخضت تجارب لم أكن أتوقعها.
وغادرت مكان عمل أحببته، وصحبةً طيبة، وبيئة نقية جمعتنا الأيام ثم فرقتنا الظروف.
ودخلت عالمًا آخر، مختلفًا تمامًا عن كل ما عرفته، عالمًا له قوانينه الخاصة، وإيقاعه الذي لا يشبه حياتي السابقة.
تغيرت حياتي بالكامل.
وأصبح العمل يستحوذ على وقتي كله، بما يحمله من أعباء وضغوط وتحديات.
وكأنني أعيش في عزلة عن العالم، لا أجني منها إلا سعادتي حين أرى السعادة في وجوه الآخرين، وكأنها الوقود الوحيد الذي يدفعني للاستمرار.
ابتعدت عن حياتي الخاصة.
لم يعد لدي وقت أعيشه لنفسي.
ولم أعد أقضي أيامي كما أحب.
حتى شعرت أنني لم أعد أملك شيئًا يخصني، وكأنني أصبحت ملكًا للجميع، إلا نفسي.
كل شيء تبدل.
وكنت أظن في بعض اللحظات أن القادم سيكون أجمل، لكنني أدركت أن الصورة التي يراها الناس من الخارج، تختلف كثيرًا عما يختبئ في الداخل.
حتى الفرح… حين يزورني، يأتي ناقصًا، وإن منحني لحظات قليلة، سرعان ما يخطفها الخوف قبل أن أعيشها كاملة.
فيا أنا…
أخبريني، أين أنتِ مني؟
وأين تلك النسخة التي كانت تنام وقلبها أكثر طمأنينة، حتى وإن لم تكن الحياة كاملة؟
يا أيها العمر المسرع كلمح البصر…
إلى أين تمضي بي؟
وأين اختفت سنواتي؟
أشعر وكأنها تتلاشى أمامي، كسراب كلما اقتربت منه ابتعد أكثر.
ترى… إلى أين سأصل؟
وهل سأتغير أكثر؟
كل ما أعلمه أن الطفلة التي تسكن داخلي ما زالت هناك.
لم تكبر يومًا كما كبر العمر.
ورغم ما سلبته منها الحياة من براءة، ما زالت تحلم، وتصدق، وتحب، وتنتظر.
فهل سأظل أحمل هذا الألم طوال الطريق؟
أم أن للمستحيل موعدًا يأتي فيه، فيطوي آخر صفحات الوجع؟
هل سيعود الأمل يومًا ليطرق باب قلبي من جديد؟
أم أنه أغلق أبوابه ورحل بلا عودة؟
وهل يعود ما فقدناه؟
وإلى أي درب نسير؟
وهل يأتي يوم نستريح فيه من كل هذا الركض؟
أم سنظل نقاوم حتى آخر ما بقي فينا من قوة؟
هل سنعيش أحلامنا حقيقة؟
أم ستبقى معلقة في السماء، نكتفي بتأملها من بعيد؟
وهل سنبقى تائهين في طرق الحياة…
ضائعين عن أنفسنا…
نعطي الجميع من الحب والإخلاص ما نستطيع، ثم ننسى أن نمنح أنفسنا شيئًا منه؟
متى أجد نفسي التي ابتعدت عني؟
وتلك الروح التي أرهقتها الأيام حتى صارت غريبة عنها؟
وهل ستمر أعوام أخرى؟
وكيف ستكون؟
هل تحمل لي الرحمة… أم مزيدًا من الاختبارات؟
وكيف ستكون خاتمة هذه الرحلة الطويلة؟
كل ما أرجوه أن ألقى الله وهو راضٍ عني.
وأن يرزقني حسن الخاتمة.
وأن أترك خلفي أثرًا طيبًا، وذكرًا حسنًا، وأمضي خفيفة، لا أؤذي أحدًا، ولا أكون سببًا في وجع أحد.
ولو كان الأمر بيدي، لنشرت السعادة في كل بقعة من هذا العالم، ولزرعت المحبة في قلب كل إنسان، ولرحمت الناس أكثر مما يرحمون أنفسهم.
فاللهم، كما جعلت في قلبي رغبة صادقة في إسعاد من حولي، فامنح قلبي طمأنينة لا تزول، وسكينة تعينه على كل ما يمر به.
اللهم اجبر كسري.
اللهم ارزقني الصبر والقوة.
اللهم أنر طريقي، واختر لي الخير حيث كان.
أما أنت يا يوم مولدي…
فقد مررت بي هذا العام كمرآةٍ عكست كل محطات عمري، وحملت بين طياتك وجع عامٍ كامل، تبدلت فيه حياتي، وتغيرت فيه ملامحي، وتبدل داخلي أكثر مما تبدل خارجي.
وأما أنت يا عامي الجديد…
فإن كتب الله لي أن أعيش أيامك، فكن بي رحيمًا.
وازرع في قلبي يقينًا لا يغيب، بأن الغد، مهما اكتنفه الغموض، قد يكون أجمل مما أتخيل.






المزيد
من صفحات رواية “قلب صامت يعشق ” بداية الحديث بقلم إيمان يوسف أحمد
إليكِ أنتِ بقلم إيثار باجوري
حين يصبح الحنين وطنًا بقلم الكاتب : فلاح كريم العراقي