مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين لا تعود الشخص الذى اعتادوه بقلم الكاتب هانى الميهى 

حين لا تعود الشخص الذى اعتادوه

الكاتب هانى الميهى

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

 

الفصل الرابع عشر

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

 

 

كان أول من لاحظ التغيير هو الشخص الذى لم يكن يتوقع منه أن يلاحظه.

 

قال له:

 

— أنت اتغيرت.

 

ابتسم.

 

لم يعرف هل يشكره أم يعتذر.

 

لأن الجملة نفسها كانت تحمل سؤالًا لم يستطع تجاهله:

 

هل التغيير الذى حدث فيَّ شيء جيد؟

 

عاد إلى بيته.

 

جلس طويلًا.

 

فكر فى السنوات الماضية.

 

كان قد قضى عمرًا كاملًا يحاول أن يكون مفهومًا للجميع.

 

الابن الذى لا يسبب المشكلات.

 

الموظف الذى لا يرفض.

 

الصديق الذى يأتي عندما يُطلب منه.

 

الشخص الذى يتحمل.

 

والإنسان الذى يستطيع دائمًا أن يقول:

 

«حاضر.»

 

ثم اكتشف فجأة أن كلمة «حاضر» كانت أحيانًا تعنى:

 

«أنا لا أريد، لكننى أخاف أن أقول ذلك.»

 

 


 

حين تبدأ فى اختيار نفسك، أول ما يتغير ليس العالم.

 

تتغير علاقتك بنفسك.

 

تبدأ فى رؤية أشياء كنت تبررها.

 

وتسمى بعض الأشياء بأسمائها.

 

الاستنزاف يصبح استنزافًا.

 

والخوف يصبح خوفًا.

 

والتعلق يصبح تعلقًا.

 

والتأجيل يصبح تأجيلًا.

 

والتنازل المستمر عن نفسك لا يعود عندك دليلًا على الطيبة.

 

بل يصبح سؤالًا:

 

لماذا أفعل هذا؟

 

وهنا يبدأ الارتباك.

 

لأن الإنسان الذى اعتاد طريقة معينة فى الحياة لا يعرف دائمًا كيف يتصرف عندما تتغير قواعده الداخلية.

 

 


 

قد تقول «لا» للمرة الأولى.

 

فيغضب شخص.

 

فتشعر بالذنب.

 

تقول:

 

«ربما كنت قاسيًا.»

 

لكن انتبه.

 

الشعور بالذنب لا يعني أنك مخطئ.

 

أحيانًا يكون الذنب مجرد أثر قديم لتغيير سلوك اعتاد الآخرون الاستفادة منه.

 

إذا كنت طوال عشر سنوات تعطي الجميع ما يريدون، ثم بدأت تضع حدودًا، فمن الطبيعى أن يشعر بعضهم بأنك تغيرت.

 

لكن السؤال ليس:

 

هل تغيروا تجاهك؟

 

السؤال:

 

هل أصبحت أكثر صدقًا مع نفسك دون أن تصبح أكثر ظلمًا للآخرين؟

 

إذا كانت الإجابة نعم…

 

فأنت لا تنحرف.

 

أنت تنضج.

 

 


 

وهنا تظهر مشكلة دقيقة.

 

بعض الناس، حين يكتشفون أنفسهم، يذهبون إلى الطرف الآخر.

 

كانوا ضعفاء فيصبحون قساة.

 

كانوا يسكتون فيصبحون صاخبين.

 

كانوا يرضون الجميع فيقررون ألا يراعوا أحدًا.

 

كانوا يقدمون التنازلات فيصبح شعارهم:

 

«أنا لا يهمنى أحد.»

 

وهذا ليس اختيارًا للنفس.

 

إنه رد فعل.

 

وأحيانًا يكون الإنسان الذى خرج من سجن قديم معرضًا لبناء سجن جديد…

 

لكن من الجهة الأخرى.

 

 


 

اختيار نفسك لا يحتاج إلى أن تعاقب من لم يفهمك.

 

لا تحتاج أن تثبت أنك قوي.

 

ولا أن تعلن استقلالك فى كل موقف.

 

القوة الحقيقية أكثر هدوءًا.

 

أن تستطيع أن تقول:

 

«هذا لا يناسبنى.»

 

دون أن تشرح ساعتين.

 

وأن تقول:

 

«أختلف معك.»

 

دون أن تهين.

 

وأن تقول:

 

«لن أستطيع.»

 

دون أن تختلق عذرًا.

 

وأن تترك مكانًا لا يناسبك…

 

دون أن تحرقه بعد خروجك.

 

هذه ليست برودة.

 

هذه نضج.

 

 


 

وقد تكون أصعب مرحلة حين يبدأ الآخرون فى مقاومة النسخة الجديدة منك.

 

ليس لأنهم سيئون بالضرورة.

 

لكن لأن كل علاقة تبنى نوعًا من التوازن.

 

إذا كنت دائمًا الذى يتنازل، اعتاد الآخرون التنازل منك.

 

إذا كنت دائمًا الذى يبادر، اعتادوا انتظارك.

 

إذا كنت دائمًا الذى يسامح بلا حدود، اعتادوا أن الخطأ بلا تكلفة.

 

حين تتغير…

 

يتغير النظام كله.

 

وهذا يفسر كثيرًا من العلاقات التى تتوتر عندما يبدأ أحد أطرافها فى النضج.

 

 


 

فى بيئة العمل يحدث الشيء نفسه.

 

الموظف الذى كان يقبل كل شيء يبدأ فى تنظيم وقته.

 

يرفض المهام غير المنطقية.

 

يطلب تحديد الأولويات.

 

يقول:

 

«هذه المهمة تحتاج إلى موعد آخر.»

 

فقد يسمع:

 

«لقد تغيرت.»

 

نعم.

 

لكنه ربما لم يتغير ضد العمل.

 

لقد تغير فى طريقة إدارة العمل.

 

والفارق مهم.

 

المهنية ليست أن تقول نعم لكل شيء.

 

المهنية أن تعرف ما تستطيع إنجازه، ومتى، وبأي جودة.

 

 


 

وقد تخسر بعض الأشخاص عندما تبدأ فى اختيار نفسك.

 

وهذه حقيقة لا تحتاج إلى تجميل.

 

بعض العلاقات قائمة على نسخة معينة منك.

 

حين تتغير النسخة…

 

تسقط العلاقة.

 

قد يكون الأمر مؤلمًا.

 

لكن ليس كل فقدان خسارة.

 

بعض الأشياء ترحل لأن وظيفتها انتهت.

 

وبعض الأشخاص لا يستطيعون السير معك فى المرحلة الجديدة.

 

وهذا لا يجعلهم أشرارًا.

 

ولا يجعلك أفضل منهم.

 

يعنى فقط أن الطريق لم يعد واحدًا.

 

 


 

لكن لا تجعل هذه الفكرة ذريعة للقطع.

 

لا تقل:

 

«أنا أختار نفسى، لذلك سأبتعد عن الجميع.»

 

هذا ليس نضجًا.

 

الإنسان كائن يحتاج إلى الناس.

 

إلى الأسرة.

 

إلى الصديق.

 

إلى المحبة.

 

إلى التعاون.

 

إلى المجتمع.

 

اختيار نفسك لا يعني الانعزال.

 

يعني أن تدخل علاقاتك وأنت موجود فيها.

 

لا أن تختفى داخلها.

 

 


 

قد تكون طوال حياتك حاضرًا بجسدك…

 

وغائبًا عن نفسك.

 

تجلس مع عائلتك لكنك تفكر فى رضاهم.

 

تعمل لكنك تفكر فى تقييم مديرك.

 

تتحدث مع صديق لكنك تراقب صورته عنك.

 

تحب شخصًا لكنك تخشى فقدانه أكثر مما تستمتع بوجوده.

 

وهكذا يصبح الإنسان حاضرًا فى كل مكان…

 

إلا داخله.

 

 


 

حين تبدأ فى اختيار نفسك، تتعلم شيئًا بسيطًا لكنه صعب:

 

أن تكون حاضرًا فى حياتك.

 

أن تعرف لماذا قلت نعم.

 

لماذا قلت لا.

 

لماذا بقيت.

 

لماذا رحلت.

 

لماذا خفت.

 

ولماذا تقدمت رغم الخوف.

 

لا يعني ذلك أن كل قرار سيكون صحيحًا.

 

بل يعني أنك أصبحت أكثر وعيًا بمصدر القرار.

 

وهذا وحده تغيير كبير.

 

 


 

وفى الدين، هناك معنى بالغ الأهمية:

 

الإنسان لا يعيش ليحصل على إعجاب الناس.

 

قيمته لا ترتفع بتصفيقهم ولا تنخفض بصمتهم.

 

لكن هذا لا يعنى تجاهل الناس.

 

بل يعنى ألا تجعل رضاهم إلهًا خفيًا لحياتك.

 

قد يرضى الناس عنك اليوم ويختلفون معك غدًا.

 

وقد يمدحونك على فعل ثم يلومونك على الفعل نفسه عندما تتغير مصالحهم.

 

فإذا جعلت رضاهم ميزانك، فلن تستقر.

 

أما حين يكون لك ميزان أعمق من المزاج البشرى، تصبح قراراتك أكثر ثباتًا.

 

 


 

وهنا يصبح الإيمان شريكًا فى عملية الاختيار.

 

ليس صوتًا يمنعك من التفكير.

 

بل بوصلة تمنعك من الضياع.

 

يمكنك أن تطمح.

 

وتغامر.

 

وتغير عملك.

 

وتبدأ مشروعًا.

 

وتترك علاقة مؤذية.

 

وتضع حدودًا.

 

لكن دون أن تفقد ضميرك.

 

دون أن تظلم.

 

دون أن تكذب.

 

دون أن تجعل «اختيار النفس» مبررًا للأنانية.

 

لأن الإنسان حين يتحرر من ضغط الناس، يحتاج إلى شيء آخر يضبط حريته:

 

المسؤولية.

 

 


 

وهذا ما يجعل الحرية صعبة.

 

لو كانت الحرية أن تفعل ما تريد فقط، لكانت سهلة.

 

لكن الحرية الحقيقية أن تختار ما تراه صحيحًا…

 

ثم تتحمل نتائجه.

 

أن تقول:

 

«هذا قراري.»

 

لا لتفتخر.

 

بل لتتحمل.

 

إذا نجح، لا تنسبه للحظ وحده.

 

وإذا فشل، لا تبحث عن شخص تلومه.

 

هذه هى النقلة من حياة يقودها الآخرون…

 

إلى حياة يقودها إنسان مسؤول.

 

 


 

وقد تكتشف بعد فترة أن أكثر شخص كان يحتاج إلى موافقتك طوال السنوات الماضية هو أنت.

 

كنت تنتظر أن يقول الآخرون:

 

«أنت جيد.»

 

«قرارك صحيح.»

 

«من حقك.»

 

«ابدأ.»

 

«اترك.»

 

«استمر.»

 

لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش عمره كله منتظرًا إذنًا.

 

هناك لحظة يجب أن تنضج فيها داخليًا.

 

تستشير.

 

ثم تختار.

 

تسمع النصيحة.

 

ثم تتحمل مسؤولية قرارك.

 

تحترم رأى الناس.

 

لكن لا تسلمهم المقود.

 

 


 

وقد يكون أصعب شيء فى هذه المرحلة أن تسامح نفسك على السنوات التى لم تختر فيها نفسك.

 

لا تجعل الوعى الجديد يتحول إلى محكمة للماضى.

 

لا تقل:

 

«كم كنت ضعيفًا.»

 

«كم أضعت من عمرى.»

 

«كيف سمحت لهم؟»

 

هذه الأسئلة مفيدة إذا قادتك إلى التعلم.

 

لكنها تصبح مؤذية إذا تحولت إلى جلد.

 

أنت لم تكن تعرف ما تعرفه الآن.

 

ولم تكن ترى ما تراه اليوم.

 

والإنسان لا يستطيع أن يحاكم نسخته القديمة بعقل نسخته الجديدة ثم يتوقع أن يكون الحكم عادلًا.

 

 


 

سامح نفسك…

 

لكن لا تبرر لها.

 

الفرق مهم.

 

سامحها لأنها كانت تحاول النجاة بما تعرف.

 

وحمّلها مسؤولية أن تتعلم الآن.

 

لا تحتاج إلى كراهية الشخص الذى كنت عليه.

 

هو الذى أوصلك إلى الشخص الذى أصبحت عليه.

 

 


 

وفى يوم ما، قد تجلس مع الأشخاص الذين اعتادوا النسخة القديمة منك.

 

تلاحظ أنك لم تعد تحاول إقناعهم.

 

لم تعد تشرح كل قرار.

 

لم تعد تخاف من صمتهم.

 

ولم تعد تحتاج إلى أن يصفقوا لتغييرك.

 

فقط تعرف نفسك.

 

وهذا يكفى.

 

ليس لأنك أصبحت فوق الناس.

 

بل لأنك لم تعد تحت رحمة آرائهم.

 

 


 

ربما تكون هذه هى المرحلة التى يبدأ فيها الإنسان بالعيش وفق قيمه.

 

ليس وفق مزاجه.

 

وهذا فرق جوهرى.

 

أن تختار العمل الذى يناسب قيمك.

 

أن تحترم المال دون أن تعبده.

 

أن تحب دون أن تتملك.

 

أن تنجح دون أن تحتقر من لم ينجح.

 

أن تختلف دون أن تكره.

 

أن ترفض دون أن تنتقم.

 

أن تغادر دون أن تشوه.

 

أن تتقدم دون أن تسحق من خلفك.

 

هذه ليست مجرد اختيارات.

 

إنها هوية.

 

 


 

وحين تتكون الهوية، لا يعود السؤال:

 

«ماذا سيفعل الناس؟»

 

بل:

 

«ماذا يليق بالإنسان الذى أريد أن أكونه؟»

 

وهذا السؤال أكثر عمقًا.

 

لأنه ينقل القرار من رد الفعل إلى المبدأ.

 

من الخوف إلى الوعي.

 

من إرضاء الآخرين إلى المسؤولية.

 

ومن الحياة التى تحدث لك…

 

إلى الحياة التى تشارك أنت فى بنائها.

 

 


 

لكن هناك مفارقة أخيرة.

 

حين تبدأ فى اختيار نفسك، ستكتشف أنك لا تستطيع اختيار كل شيء.

 

وهذا ليس فشلًا.

 

ستبقى هناك أشياء لا تملكها.

 

مرض قد يأتي.

 

شخص قد يرحل.

 

فرصة قد تضيع.

 

ظرف لم تخطط له.

 

باب يغلق رغم كل محاولاتك.

 

وهنا ستحتاج إلى التمييز بين شيئين:

 

ما يقع داخل قدرتك… وما يقع خارجها.

 

أن تختار نفسك لا يعني أن تختار النتائج.

 

أنت تختار السعى.

 

وتتحمل القرار.

 

ثم تسلم ما لا تملكه لله.

 

وهذه ليست هزيمة.

 

هذه حكمة.

 

 


 

فى النهاية…

 

قد لا تصبح الحياة التى تريدها تمامًا.

 

لكنها ستصبح حياة تعرف لماذا أنت فيها.

 

وهذا فرق هائل.

 

ستعمل لأنك اخترت أن تعمل.

 

وستترك لأنك اخترت أن تترك.

 

وستبقى لأن البقاء أصبح موقفًا واعيًا.

 

وستعتذر لأن الاعتذار يوافق قيمك.

 

وستقول «لا» لأن «نعم» كانت ستخون نفسك.

 

لن تختفى الضغوط.

 

ولن ينتهِ الخوف.

 

ولن يتوقف الناس عن الكلام.

 

لكن المقود لن يكون فى أيديهم.

 

ستسمعهم…

 

ثم تختار.

 

ستحبهم…

 

ثم تختار.

 

ستحترمهم…

 

ثم تختار.

 

وستتعلم أن اختيار النفس ليس أن تعيش بعيدًا عن الناس.

 

بل أن تعيش بينهم دون أن تفقد نفسك.

 

وهنا، للمرة الأولى، قد تنظر إلى حياتك وتقول:

 

«هذه ليست حياة اختارها لى أحد.»

 

ثم تصمت قليلًا.

 

وتضيف:

 

«قد لا تكون كاملة… لكنها لى.»

 

رسالة الفصل

 

حين تتغير، لا تخف من أن يفقدك البعض؛ فالإنسان لا يُقاس بعدد الذين حافظ على صورتهم عنه، بل بقدرته على أن يبقى صادقًا مع قيمه دون أن يفقد رحمته بالآخرين.

 

تمهيد الفصل الخامس عشر

 

لكننا وصلنا الآن إلى السؤال الأخير.

 

بعد كل ما اكتشفناه…

 

من الخوف الذى تنكر فى صورة منطق، إلى الحاجة إلى القبول، إلى الصورة التى صنعناها أمام الناس، إلى الصبر الذى تحول إلى هروب، إلى القرارات التى تركناها للزمن، ثم إلى اللحظة التى بدأنا فيها نستعيد المقود…

 

يبقى شيء واحد:

 

ماذا ستفعل بكل هذا الوعى؟

 

فمعرفة النفس وحدها لا تكفى.

 

قد تفهم نفسك جيدًا…

 

وتبقى فى المكان نفسه.

 

وقد تعرف من يقودك…

 

ثم تسلمه المقود مرة أخرى.

 

الفصل الأخير لن يكون عن اكتشاف جديد.

 

سيكون عن الاختيار.

 

اللحظة التى تتوقف فيها عن سؤال:

 

«من الذى يقرر عنى؟»

 

وتبدأ فى السؤال الأصعب:

 

«وماذا سأقرر أنا؟»

 

الفصل الخامس عشر: حين تصبح أنت صاحب القرار