مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تبدأ فى اختيار نفسك بقلم الكاتب هانى الميهى 

حين تبدأ فى اختيار نفسك

بقلم الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

 

الفصل الثالث عشر

كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها

 

 

لم يكن يعرف متى حدث ذلك.

 

ربما لم يحدث فى يوم واحد.

 

ربما بدأ منذ سنوات، فى مواقف صغيرة لم ينتبه إليها.

 

فى مرة أراد أن يقول «لا» وقال «نعم».

 

فى فرصة أرادها ثم تراجع.

 

فى علاقة شعر فيها أنه يختفى شيئًا فشيئًا، وبقى.

 

فى عمل لم يعد يشبهه، لكنه أقنع نفسه أن الاستقرار أهم.

 

وفى كل مرة كان يقول الجملة نفسها:

 

«لا بأس.»

 

حتى أصبحت حياته كلها تقريبًا مبنية على أشياء لا بأس بها…

 

لكنها ليست ما يريد.

 

 


 

جلس ذات مساء وحده.

 

لم يكن حزينًا بالمعنى المعتاد.

 

لم تكن هناك مشكلة كبيرة.

 

وهذا ما جعله يفكر أكثر.

 

كل شيء يبدو مستقرًا.

 

لكن داخله كان يسأل:

 

«هل أنا أعيش حياتى… أم أؤدى الدور الذى اعتاد الجميع أن يروننى فيه؟»

 

لم يجد إجابة.

 

لأول مرة، لم يحاول الهروب منها.

 

ترك السؤال أمامه.

 

وظل ينظر إليه.

 

 


 

اختيار نفسك لا يبدأ بقرار ضخم.

 

يبدأ غالبًا بلحظة صدق.

 

أن تعترف لنفسك بأنك متعب.

 

أن تقول إن هذا الطريق لم يعد يناسبك.

 

أن تعترف بأنك أخطأت.

 

أن تعرف أنك تريد شيئًا مختلفًا.

 

أن تتوقف عن استخدام الآخرين كسبب دائم لحياتك.

 

لأنك إذا قلت:

 

«أبى أراد.»

 

«زوجتى تريد.»

 

«مديرى يطلب.»

 

«المجتمع يقول.»

 

«الظروف أجبرتنى.»

 

فقد يكون فى كل ذلك جزء من الحقيقة.

 

لكن يبقى سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عنه بدلًا منك:

 

وأنت؟

 

 


 

اختيار نفسك لا يعنى أن تتمرد على كل شيء.

 

ليس أن تترك عملك غدًا.

 

ولا أن تنتهى من كل علاقة.

 

ولا أن تفعل ما يحلو لك.

 

هذه ليست حرية.

 

هذه أحيانًا مجرد اندفاع.

 

اختيار نفسك أكثر نضجًا.

 

أن تعرف مسؤولياتك، ثم تعرف حدودك.

 

أن تحترم الآخرين دون أن تلغى نفسك.

 

أن تساعد دون أن تتحول إلى شخص مستنزف.

 

أن تحب دون أن تفقد كرامتك.

 

أن تعمل بجد دون أن تجعل العمل يبتلع حياتك.

 

أن تسعى إلى النجاح دون أن تصبح عبدًا لصورتك أمام الناس.

 

 


 

قد يكون أول اختيار حقيقي لنفسك هو أن تقول:

 

«لا.»

 

لا للعمل الإضافى الذى لا تستطيع تحمله.

 

لا للعلاقة التى تتجاوز حدودك.

 

لا للطلب الذى يستغل طيبتك.

 

لا للحديث الذى يهينك.

 

لا للدور الذى لم تعد قادرًا على الاستمرار فيه.

 

لكن «لا» ليست دائمًا قسوة.

 

أحيانًا تكون أكثر الكلمات احترامًا.

 

لأن «نعم» التى تقولها وأنت ممتلئ بالرفض قد تتحول بعد فترة إلى غضب.

 

والغضب المكبوت لا يختفى.

 

يبحث عن باب آخر للخروج.

 

 


 

وفى المقابل…

 

اختيار نفسك قد يكون أن تقول «نعم».

 

نعم لفكرة تخيفك.

 

نعم للتعلم.

 

نعم لفرصة جديدة.

 

نعم للاعتذار.

 

نعم للعلاج من عادة سيئة.

 

نعم لبداية تأخرت كثيرًا.

 

نعم لوقت تقضيه مع أبنائك بدل ساعات إضافية فى العمل.

 

نعم لكتاب تقرؤه.

 

نعم لمشروع صغير.

 

نعم لحياة أكثر اتزانًا.

 

فليست القضية أن تقول «لا» للناس.

 

القضية أن تقول نعم لما يستحق أن يعيش فى حياتك.

 

 


 

وهنا تظهر مشكلة أخرى.

 

كيف تعرف ما يستحق؟

 

لأن الإنسان الذى عاش طويلًا لإرضاء الآخرين قد يفقد القدرة على معرفة ما يريد.

 

إذا سألته:

 

«ماذا يريدون منك؟»

 

سيجيب بسرعة.

 

أما إذا سألته:

 

«ماذا تريد أنت؟»

 

يصمت.

 

وهذا الصمت ليس فراغًا.

 

إنه نتيجة سنوات من تجاهل الذات.

 

 


 

قد تحتاج إلى أن تجلس مع نفسك كما تجلس مع شخص تحبه.

 

دون محاكمة.

 

ودون شعارات.

 

وتسأل:

 

ما الذى يرهقنى؟

 

ما الذى يفرحنى فعلًا؟

 

ما الذى أفعله فقط حتى أحصل على قبول الآخرين؟

 

ما الذى أخاف خسارته رغم أنه يؤذينى؟

 

ما الذى أؤجله لأننى أخاف الفشل؟

 

ما الذى أحتاج إلى تغييره؟

 

وما الذى يجب أن أتوقف عن محاربته وأتعلم قبوله؟

 

هذه الأسئلة ليست رفاهية.

 

إنها مراجعة داخلية.

 

والشركات تراجع استراتيجيتها عندما تتغير السوق.

 

فكيف يعيش الإنسان عشرين عامًا دون أن يراجع نفسه؟

 

 


 

قد تكتشف أنك لم تعد الشخص نفسه.

 

وهذا ليس خيانة للماضى.

 

الإنسان يتغير.

 

ما كان مناسبًا لك قبل عشر سنوات قد لا يناسبك اليوم.

 

الأهداف تتغير.

 

الأولويات تتغير.

 

القدرة تتغير.

 

والنظرة إلى الحياة تنضج.

 

لكننا أحيانًا نخاف من التغيير لأننا نعتقد أن الوفاء يعنى أن نظل كما كنا.

 

ليس صحيحًا.

 

قد تكون وفيًا لماضيك…

 

بأن تتعلم منه، لا بأن تسكن فيه.

 

 


 

وفى الإيمان مساحة رحبة لهذا النضج.

 

الله لم يجعل الإنسان نسخة ثابتة لا تتعلم ولا تتوب ولا تتغير.

 

بل جعل له بابًا دائمًا للرجوع.

 

والتوبة نفسها اعتراف بأن الإنسان يستطيع أن يرى خطأه، ثم يغير اتجاهه.

 

وهذا معنى مهم:

 

أن تكون مخطئًا اليوم لا يلزم أن تظل مخطئًا غدًا.

 

وأن تكون قد اخترت طريقًا خاطئًا لا يعني أن تكمل فيه حتى النهاية فقط لأنك بدأت.

 

الرجوع عن الخطأ ليس فشلًا.

 

أحيانًا هو أشجع قرار.

 

 


 

لكن اختيار النفس له ثمن.

 

وهنا لا بد من الصراحة.

 

عندما تبدأ فى وضع حدود، سيقول بعض الناس إنك تغيرت.

 

وقد يكونون على حق.

 

أنت تغيرت فعلًا.

 

لكنهم قد يقصدون:

 

«لم تعد تفعل ما اعتدنا أن تفعله من أجلنا.»

 

وهذا مختلف.

 

الشخص الذى اعتاد أن يأخذ منك بلا حدود قد يرى حدودك أنانية.

 

والشخص الذى اعتاد صمتك قد يرى كلامك عدوانًا.

 

والشخص الذى اعتاد موافقتك قد يرى رفضك تمردًا.

 

لا تجعل رد فعل الآخرين دليلًا على أنك أخطأت.

 

 


 

لكن انتبه.

 

هناك فرق بين وضع الحدود وبين القسوة.

 

أن تقول:

 

«لا أستطيع.»

 

ليس معناه أن تهين.

 

أن ترفض.

 

ليس معناه أن تجرح.

 

أن تحمى وقتك.

 

ليس معناه أن تحتقر وقت الآخرين.

 

أن تختار نفسك لا يعنى أن تجعل الآخرين يدفعون ثمن جراحك.

 

هذه ليست حرية.

 

هذه فوضى عاطفية.

 

 


 

والإنسان الناضج لا يقول:

 

«أنا أولًا دائمًا.»

 

بل يقول:

 

«أنا مسؤول عن نفسى كما أنا مسؤول عن أثرى فى الآخرين.»

 

هذه الجملة تصنع فرقًا كبيرًا.

 

لأنك حين تختار نفسك بوعي، تصبح أكثر قدرة على العطاء.

 

الشخص الذى يعرف حدوده لا يكره العطاء.

 

بل يعطي دون أن يشعر بأنه يُستنزف.

 

والشخص الذى يعرف قيمته لا يحتاج إلى إذلال الآخرين ليشعر بأنه مهم.

 

والشخص الذى تصالح مع نفسه لا يحتاج إلى الفوز فى كل نقاش.

 

 


 

وفى العمل تظهر هذه الفكرة بوضوح.

 

الموظف الذى لا يعرف حدوده يقول نعم لكل شيء.

 

ثم يفشل فى إنجاز المطلوب.

 

ثم يغضب من الجميع.

 

أما الموظف الذى يعرف قدرته فيقول:

 

«أستطيع إنجاز هذا اليوم، أما المهمة الأخرى فتحتاج إلى وقت إضافى.»

 

هذا ليس ضعفًا.

 

هذه إدارة موارد.

 

والإنسان نفسه مورد.

 

وقته مورد.

 

طاقته مورد.

 

انتباهه مورد.

 

حتى قدرته على الاحتمال مورد محدود.

 

ومن لا يدير موارده الداخلية بوعي، سيدفع الثمن مهما كانت نواياه جيدة.

 

 


 

وقد يكون اختيار نفسك أحيانًا أن تتوقف عن محاولة إنقاذ الجميع.

 

ليس كل شخص مسؤوليتك.

 

ليس كل مشكلة تحتاج تدخلك.

 

ليس كل حزن عليك إصلاحه.

 

وليس كل شخص تستطيع مساعدته.

 

هناك من يحتاج أن يتعلم من نتيجة اختياراته.

 

وإذا كنت تنقذه كل مرة، فقد تحرمه من التعلم.

 

المساعدة الحقيقية لا تعنى أن تحمل حياة الآخرين على ظهرك.

 

أحيانًا تعنى أن تعطيهم فرصة ليحملوا أنفسهم.

 

 


 

وهناك جانب آخر أكثر ألمًا:

 

اختيار نفسك قد يجبرك على الاعتراف بأن بعض أحلامك لم تعد أحلامك.

 

قد تكون طاردت حلمًا لأن والدك أراده.

 

أو لأن المجتمع يعتبره نجاحًا.

 

أو لأنك أخبرت الناس به كثيرًا حتى أصبحت تخجل من التراجع.

 

فتواصل الطريق…

 

ليس لأنك تريده.

 

بل لأنك تخاف أن تقول:

 

«غيرت رأيى.»

 

لكن تغيير الرأى بعد اكتشاف الحقيقة ليس تناقضًا.

 

التناقض أن تعرف الحقيقة ثم تستمر فى إنكارها.

 

 


 

قد يقول لك أحدهم:

 

«لكن ماذا عن السنوات التى ضيعتها؟»

 

وهذا السؤال قد يحبس الإنسان أكثر.

 

لقد دفعت بالفعل ثمن السنوات الماضية.

 

لا تجعلها تجبرك على دفع بقية العمر.

 

الوقت الذى مضى لا يعود.

 

لكن هذا لا يعنى أن القادم يجب أن يشبهه.

 

ليس مطلوبًا أن تستعيد السنوات.

 

مطلوب ألا تكررها.

 

 


 

وقد يكون اختيار نفسك أصعب فى البداية لأنك ستسمع صوتًا داخليًا يسألك:

 

«ماذا لو فشلت؟»

 

قل له:

 

«سأتعلم.»

 

«ماذا لو رفضونى؟»

 

«سأتحمل.»

 

«ماذا لو لم يفهموننى؟»

 

«سأشرح ما أستطيع، ثم أواصل.»

 

«ماذا لو تغيرت حياتى؟»

 

«ربما هذا هو المطلوب.»

 

الخوف لن يختفى لأنك قررت أن تكون صادقًا.

 

لكنه سيتوقف عن امتلاك القرار.

 

 


 

وهنا تتغير علاقتك بنفسك.

 

لم تعد تسأل:

 

«ماذا يريدون منى؟»

 

قبل كل شيء.

 

تبدأ بالسؤال:

 

«ما الذى أراه صحيحًا؟»

 

ثم تسأل:

 

«ما مسؤوليتى؟»

 

«ما أثر القرار؟»

 

«ما الثمن؟»

 

«هل يتوافق مع قيمى؟»

 

«هل أستطيع تحمله؟»

 

ثم تختار.

 

هذه ليست أنانية.

 

هذه حوكمة داخلية.

 

أن يصبح لحياتك معيار.

 

لا أن تترك كل موقف يكتب لك معيارًا جديدًا.

 

 


 

والحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تريد.

 

قد تكون أن تستطيع ألا تفعل ما لا تريد.

 

أن لا تنجرف مع كل رأى.

 

أن لا تستجيب لكل ضغط.

 

أن لا تغير نفسك مع كل شخص.

 

أن لا تجعل هاتفك يحدد مزاجك.

 

ولا السوق يحدد قيمتك.

 

ولا المجتمع يحدد أحلامك.

 

ولا الماضى يحدد مستقبلك.

 

 


 

وفى النهاية…

 

اختيار نفسك لا يحدث مرة واحدة.

 

إنه ممارسة يومية.

 

فى كل مرة تقول فيها الحقيقة بدل المجاملة.

 

فى كل مرة تضع فيها حدًا.

 

فى كل مرة تعتذر فيها عندما تخطئ.

 

فى كل مرة ترفض فيها أن تعاقب نفسك على ماضٍ انتهى.

 

فى كل مرة تختار فيها ما يوافق قيمك بدل ما يرضى الجمهور.

 

وفى كل مرة تسأل نفسك قبل القرار:

 

«هل هذا ما أريده فعلًا، أم ما أخاف أن أرفضه؟»

 

هنا يبدأ شيء مختلف.

 

لا تصبح حياتك مثالية.

 

ولا تختفى المشكلات.

 

لكن شيئًا مهمًا يحدث:

 

تعود أنت إلى مقعد القيادة.

 

قد تخطئ.

 

لكن الخطأ يصبح خطأك.

 

وقد تنجح.

 

لكن النجاح يصبح نجاحك.

 

وقد تخسر.

 

لكن الخسارة تصبح جزءًا من طريق اخترته، لا حياة وجدت نفسك فيها دون أن تعرف كيف وصلت.

 

وربما هذه هى الحرية التى كنا نبحث عنها طوال الوقت.

 

ليست أن تختار كل شيء.

 

بل أن تعرف من يختار.

 

وعندما يصبح الجواب:

 

«أنا…»

 

بعد أن مر القرار عبر عقلك، وقيمك، وإيمانك، ومسؤوليتك…

 

فقد بدأت أخيرًا تعيش حياة تحمل اسمك.

 

رسالة الفصل

 

اختيار نفسك ليس أن تضع العالم خلف ظهرك، بل أن تتوقف عن وضع نفسك خلف الجميع؛ أن تعرف قيمتك، وحدودك، ومسؤوليتك، ثم تختار دون أن تجعل الخوف أو القبول أو الماضى يمسك بالمقود.

 

تمهيد الفصل الرابع عشر

 

لكن استعادة المقود لا تعنى أن الطريق أصبح واضحًا.

 

على العكس.

 

حين تبدأ فى اختيار نفسك، ستجد أمامك سؤالًا أكثر صعوبة:

 

ماذا لو كان ما أريده مختلفًا عما اعتدت أن أكونه؟

 

هنا ستظهر مواجهة أخيرة مع الإنسان الذى صنعته سنواتك.

 

الشخص الذى تعود عليه الناس.

 

والدور الذى اعتدت القيام به.

 

والنسخة التى كنت تظن أنها أنت.

 

قد تضطر إلى ترك أشياء لم تكن سيئة…

 

فقط لأنها لم تعد تشبهك.

 

وقد تكتشف أن أكبر معركة لم تكن مع الآخرين أصلًا.

 

كانت مع النسخة القديمة منك.

 

ومن هنا يبدأ الفصل الرابع عشر:

 

حين لا تعود الشخص الذى اعتادوه