مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

دهب

Img 20240628 Wa0197

 

كتبت: سحر الحاج

(سنة 1960م)

 

طُرقات مكتظة بالسكان، حانات هنا وهناك، سُوق يقبعُ على أطراف المدينة، ترى هنا طفل يجلس يعمل على تلميع أحذية المارين عمل يكسب به رزق يومه، وذلك يقف ينادي ليباع منه ثمرات من فاكهة الليمون، وهنا كهلًا أصاب الشيب رأسه، وارتسمت على وجهه خطوط تركها الزمن؛ لتضع بصمتها على ملامح غلبتها الوسامة بعد عقد من الزمان، يطالع المارة بوجه بشوش يحرك يده حاملًا مسبحة ذات حبات خرز كبيرة، ينادي على ابنه الذي يقف داخل محل البيع التجاري، هناك ترى شابٌ في عقده الثاني يقود حماره، حاملًا عليه بعض الأغراض يتحول بين أزقة البلدة، يهتف بصوتٍ عالي للبيع الأغراض التي يحملها، فتخرج النساء من بيوتهن، يلتحف ثيابها مسرعات لتشتري كل منهن ما تحتاج، يفرق “سعيد” كل ما يحمله فوق ظهره حماره، تغالبه السعادة لهذا التقدم، قد نفدت محتوياته وها هو اليوم يعود خفيفًا إلى منزله، يدندن بإحدى أغنيات شعبية مستمتعًا برحلة العودة إلى الدار، همس لحماره متأهوشًا له بأن يقف، كم يعشق السير بهذا الطريق يرى على مبعدة منه بيت من سلبة عقله ووجدانه، يهمس بشجن:

-“دهب” يا قمر الليالي يا ربيع الأمسيات.

وكأنها كانت تنتظر مجيئه بلهفة، وقفت خلف الباب الخشبي تخفي جسدها خلفه تلف ثوبها حول وجهها تغطيها إلا من عينيها الكبيرتين العسليتين اللاتي أسرته منذ أول مرة رآها فيها، ليخفق قلبه بسببهما ويأبى أن يسكن بعدها، تسرح عينيه في عينيها يأخذه سحرهما ليتذكر ذلك اليوم، عندما التقاها لأول مرة بين حقول الزرع، في النهر النيل الأزرق كانت تحوش على الزرع وتردد بخفوت وصوتٍ شجِيٍ كلمات أغنية تحفظها عن ظهر قلب، تحوش الزرع بعد أن تركتها أمها عائدة إلى الدار لتمام بعد الحاجيات، كان على مبعدة منها متمدد على الأرض وسط الخضرة الواسعة يتكئ بيده اليمنى مسندًا عليها رأسه، أثنا رجله اليسرى قليلًا للأعلى يتأمل النيل أمامه وتلك المراكب التي تسبح في قلبه، تبحر حيث تريد ومع اقتراب غروب الشمس، جعله ساهمًا يفكر في حل مشاكله التي لا تنتهى، يشرد قليلًا ثم يعود للتأمل من جديد، هكذا يلهي نفسه عندما تضيق عليه الأيام.

سمع حركة خفيفة خلفه وصوتٍ يشبه تغريد الكناري في الصباح الباكر، بل وكأنه مزمار من مزامير داوود، استقام جالسًا في مكانه يتلفت حوله، سكت الصوت فجأة وكأنه كان يحلم أو يتخيل، وثب واقفًا ليرى على بعد خطوات منه، فتاة سمراء تمسك بطرف ثوبها تخفي وجهها، وعيناها تلك العينين فقد الحركة وفقد النطق، قاص في عينيها لم يرى مثل جمالها، هل هي جنية تسكن هنا بين الحقول؟ أم إحدى الحور العين! لم يفق من سحر عينيها؛ إلا عندما استدارت مبتعدة مهرولة بسرعة، ظل فاتحً فمه مدهشًا حتى رآها تختفي من انظاره، لم يركض وراها بل ذهب عقله معها قبل أن تختفي..

يتتبع…