حِوار: ضُحى مَهدي.
إنه يكتشف الغامِض والمثير، ويستنتج بالفن الكثير.
الفن يجري في عُروقه مجرى الدماء، تجده لا يمل العطاء.
صاحب ريشة أنيقة تجتاز كل مستوى.
يعطي ويعطي لهذا الكون بريق يشي بالأمل المُبهج.
ذاك الأمل الذي يبرهن للجميع أن لا يأس مع الفن.
ولا عجب في ذلك فهو الفنان الأمثل، الذي يبث الأمل في حياة كل من عرفه، ابن العراق العظيم، بلاد الشهامة والكرم والقيم، واسم بلاده يعني له الكثير، وكذلك اسمه، فالعين عز أزلي واللام لحن الأمل، والياء يُسر لا عُسر بعده.
قال لنا بفخر:
أنا عَلي كاظِم الموسوي، من مواليد عام ١٩٨٨.
رسام و أكتب الشعر في بعض الأحيان، لكنني لست بشاعر!
إني أجيد الكتابة بشكل جيد تقريبًا، وأغوص في مجالات متعددة.
منها ماهو ثقافي أومواضيع عامة، دينية أو تاريخية، وأيضًا حوارية.
ويمكنني كتابة قصة قصيرة أو ما شابه كالنصوص مثلًا.
تخرجت من جامعة الكوفة، تحديدًا من كلية الآداب قسم التاريخ.
عشت طفولة جميلة بعناية و تربية مثالية، من الأهل حفظهم الرحمن، ولله الحمد.
وأذكر جيدًا كيف يتحدثون على الدوام عن ذكائي المبكر!
ودقة ملاحظتي لأشياء أكبر من عمري!
تعلمت التهجئة في الصف الأول الإبتدائي، و القراءة الإملائية الجيدة في الصف الثاني الإبتدائي.
كان جدي رحمه الله يحبني كثيرًا، و اعتنى بي بشكل جيد.
لقد اكتشفت موهبتي، عندما دخلت المدرسة وأنا طفل صغير، حيث أعطتني المعلمة واجب مدرسي، طلبَت من خلاله كتابة درس مُعين من مادة القراءة.وبفطرة الأطفال الصغار، ظننتها تريد منا رسم الصورة التي في الدرس، و ليس كتابة الأحرف فقط!
هنا حاولت الرسم و لكن لم أستطع! فطلبت من والدتي أن ترسم لي الصورة لكنها لم تكن تجيد الرسم. ومن الطريف أنني بكيت وصرخت حينها من شدة الحزن، وتبين لي لاحقًا بأن الرسم لم يكن المطلوب، بل الكتابة.
بعدها بدأت محاولاتي لتعلم الرسم. وفي أحد أيام الإمتحانات، رسم لي أحد أقاربي رسم متواضع، لأسلمه لمعلمة الفنون، فرأيت أحد الأطفال يحمل معه عمل فني لرسام محترف، و كان عبارة عن مسجد إسلامي جميل.
فتأثرت جدًا و بكيت، وطلبت من أهلي أن يرسموا لي جامع مثله.
مرت سنوات قليلة على ما أذكر، وإذ بي أجد طفل من أطفال مدرستي، يرسم شخصيات مقاتلة بشكل جيد. كان اسمه عَقيل.
فأشعل في نفسي فتيل ثورة لتعلم الرسم!
وقررت أن أصبح مثل عَقيل.
ثم رسمت صورة كانت في كتاب مادة القراءة، و قدمتها مع الدرس.
فقالت لي معلمتي: يالهُ من رسم جميل! من قام برسمه لك؟
فقلت لها أنا من رسمته.
و أعتقد أنها أرادت تفجير بركان الموهبة، التي أمتلكها و لم تنوي أن تكذبني.
فقالت ارسمها الآن لأرى.
فقمت برسمها. فحثتني على الإستمرار، لله درها.
وقد تابعت و تعلقت بأجمل برنامج رسم، يقدمه الأستاذ و الفنان التشكيلي: “خالد جبر” الرائع، فتعلمت منه أشياء قليلة، لكن البرنامج شجعني على الرسم كثيرًا.
في أحد الأيام رأيت شخص يقوم بالكتابة على الورق، و تحت الورق ورقة كربون! و تحت ورقة الكربون الأزرق ورقة بيضاء!
يرفعها فتظهر كتابة مشابهة للأولى!
صرت أستغل هذه الطريقة في الرسم.
وهي طباعة أي صورة بالكربون، ثم الرسم عليها، و التدرب على مثلها، و هكذا تطورت موهبتي بشكل ملحوظ.
قمت برسم صورة تشبيهية للإمام علي! وحينها كانت مفاجأة من العيار الثقيل لأقربائي، فعبروا عن إعجابهم الشديد، لدرجة أنني أصبحت أتباهى بعملي، كطاووس يتباهى بجماله وبسحر ألوانه! مما جعل الجميع يعترفون بموهبتي.
و هذا كله في طفولتي بالطبع.
اخترت دخول مجال الفن،
لأسباب متعددة منها ذاتية، فأنا أحب الرسم، و ما أن أنتهي من إكمال اللوحة أشعر بسعادة بالغة، لا تضاهيها سعادة.
فالرسم هو كهفي المملوء بالنور والسلام، وأنا أدخله بكل الأوقات.
و منها سبب مهني يسهم بإسعاد الآخرين، أما السبب المادي فهو مقبول.
فالرسم يسهم بإيصال رسائل، إنسانية أو ثقافية أو سياسية، وغيرها ويؤثر بالمجتمع بالفعل، وينتشر فيه كإنتشار النار في الهَشيم.
وهو وسيلة لنُصرة الحق و الوقوف معه.
وموهبة رزقها الله لبعض الناس، دون عن غيرهم، مثلها مثل الشعر والكثير من المواهب الأخرى.
فأنا أحب الله وكل ما أعطاني إياه، و أشعر أن الرسم أمانة في عُنقي، وعلي توظيفها بما يرضي الله و ما يرضي ضمائرنا.
وأعتقد أن الرسم لسان الضمير الحي الذي ينطق بالحق.
و علينا إبراز فعالياتنا و فاعليتنا في المجتمع، لعلنا نسهم بتشكيل رأي مشترك فني، يحافظ على الإيجابيات في القضايا الإجتماعية، و يسهم بمعالجة الموروثات، أو التركات الشعبية الجاهلية، في المجتمع.
على سبيل المثال ظاهرة إجبار الفتاة عُنوة على الزواج من ابن عمها و غير ذلك!
ومن واجبنا أن نهاجم من خلال الفن، أي سلطة دموية ظالمة.
لذا أحب الرسم و أحب محتواه، و رسائله وإبداع الرسامين في كل مكان.
لدي مشاريع كثيرة أخزنها في ذهني، أنوي أن أكتب عنها بشكل مختلف، كأن تكون مجموعة قصصية!
أي قصص قصيرة مع رسومات تعبر عنها.
أو تأليف كتاب عن الحب الحقيقي، خصوصًا بعد أن تشوه الحب في زمن الإنترنت!
وغيرها من المشاريع الأخرى، حتى كتابة نص لمسلسل درامي، فقد كتبت ملخص عن القصة التي لا تشبه قصص المسلسلات!
أقصد الدراما العربية و أنا أؤمن بأنها ستكون قصة مختلفة.
لكن الوقت لا يسعفني، ولو توفر لي لقمت بكل هذه المهام المؤجلة.
سأعمل على كتابة جدول زمني للكتابة، قد أفشل و قد أنجح.
لكن علي أن أحاول فإذا نجحت سأبقى أحافظ على نفس النظام و على شخصيتي، وإن فشلت لن أحبط بل سأحاول مجددًا، حتى الوصول للهدف و النجاح.
بصراحة و بكل أمانة لم يدعمني أي أحد في مرحلة شبابي بمجال الرسم، لكنني قاتلت و تعلمت بمفردي.
حتى أنني تركت الرسم لمدة خمس سنوات بسبب قصة عاطفية، تسببت بحزن كبير لي، و حينما قررت العودة عدت من نقطة الصفر و كأنني نسيت الرسم، رغم أنني مولع به!
لكنني تدربت من جديد واستعنت باليوتيوب بعد الله، و هكذا استرجعت موهبتي التي ضاعت مني لمدة لا بأس بها، وبقوة.
كانت تجربتي في مجال الفن، أكثر من رائعة و أشعر أنني أثرت ببعض الناس، و غيرت مفاهيمهم كذلك، و حتى سلوكهم من خلال نشر اللوحة مع كتابة مواضيع مؤثرة عنها!
وثمة أخوة و أخوات من لبنان و سوريا و غيرها من الدول، يستشيرونني، فمناقشتي لهم غيرت آرائهم، و كان مفتاح هذا التغيير هو الرسم.

لذلك أعتبر تجربة الفن مثالية. وكنت أرسم لوحات للناس بالمجان، و خصوصًا لأمهات الشهداء و كان ثمن اللوحة هو دعاء والدة الشهيد لي.
ولا أخفي أنني أنزعج من سلبيات أخرى محرجة تواجه أي فنان، منها طلبات الرسم المجانية، من قبل الكثيرين.. و هم لا يعرفون أن الرسم يحتاج إلى وقت طويل، و جهد كبير، يستمر لساعات طويلة أو أيام لإكمال رسم لوحة واحدة فقط!
الشخص المفضل لدي في عالم الفن، ليس شخص بحد ذاته، حتى لو كان ذو اسم كبير. أو فضل على تطور الرسم. بل المفضلة لدي هي اللوحة التي أشعر بأنها تكاد أن تنطق! و التي تتذوقها روحي المتعطشة فترتوي وتتغذى برؤية اللوحات!
وبشكل دائم دون كلل أو ملل. فقد تعجبني رسمة لفنان غير مشهور، و قد لا تعجبني لوحة لفنان عالمي مشهور!
مثل بعض لوحات بيكاسو. ربما لأنني لا أحب الرسم التشكيلي، ذو الرمزية المفرطة التي قد لا يفهمها، و لا يستطيع تفكيك رموزها، إلا الناقد الفني المتخصص!
ففكرة الرسم حتى لو كانت اللوحة معقدة، يجب أن تصل ببساطة إلى ذهن المتلقي.
والرسالة يجب أن تستهدف كافة فئات و طبقات المجتمع، ليفهمها الجميع.
من الشيخ الأُمي حتى الأستاذ الجامعي.
أما عن اللون المفضل، برأيي جميع الألوان مفضلة و هي مصدر الجمال المادي!
أعتبرها بمثابة شمس لعالم الجمال، كالشمس التي في عالمنا الواقعي.
لكن أحب الألوان لدي هي: الأسود و الأصفر، و الأخضر و الأزرق بالمستوى الأول.
وبالمستوى الثاني الأحمر و البنفسجي.
وفي المرتبة الأخيرة هو اللون الأبيض.
الأبيض آخر لون بالقائمة، لأن الكثير من الناس يتظاهرون بأنهم مثاليين أصحاب قلوب بيضاء و نوايا حسنة، لكن داخلهم أسود كالكحل!
و لا أعني هنا اللون الأسود الذي أعشقه، إنما سواد القلب، والضمائر المظلمة و النفوس المثقلة، بالخطايا و شوائب الذنوب للأسف.
وقد حاولت ألا أرتدي اللون الأبيض أيام الجامعة، كونه فرض علينا كزي موحد، ولا أحب أن يفرض علي شيء، إلا طاعة الوالدين.
أحب اللون الأصفر لأنه يسعد النظر، بدليل من القرآن الكريم:{صفراء فاقع لونها يسر الناظرين} لذلك عندما أحزن أتوجه بالتمعن بجمال صديقي اللون الأصفر.
أما الأسود تنجذب له روحي كوني حزين، لكن حزني ليس حزن كآبة و انعزال، ولا أضر به عائلتي و أصدقائي و الآخرين.
فانا أبتسم و لو كان قلبي يقطر دمًا!
وسبب حبي للون البنفسجي، لأنه صديق الجمال و يعطي بريق خاص ومميز للمرأة حين ترتديه.
و الأزرق لون النقاء، لون يليق بكلا الجنسين، و يليق بي كثيرًا عندما أرتديه.
والأخضر لون السعادة، و لون أشجار الجنة و نباتات الدنيا. هل لكم أن تتخيلوا معي كيف ستكون حياتنا مع عدم وجود النبات؟ و هل يستطيع أحد أن يدعي أن البستان ليس جميل؟ تخيلوا معي العيون الخضراء الجميلة، فكيف لا أعشق هذا اللون؟
أنا أرى أنه اللون الوحيد الذي يجب أن يحبه كل إنسان، و من لا يحبه لديه خلل ما بكل تأكيد! فهو إكسير الحياة.
وهو لون ملابس أهل الجنة أيضًا، ياله من لون فاخر!
أُفضل العمل بالأقلام الخشبية الملونة، و أقلام الرصاص و الفحم كذلك.
وها أنا أتدرب على الرسم بالألوان الزيتية.
التجربة التي خضتها وأفادتني في شتى مجالات الحياة.
تجربة الحب الصادق، ورغم خسارته قد علمني الكثير، و غير سلوكي نحو الأفضل.
تعلمت الصبر و غيره من الأمور، و لا أود الخوض بتفاصيل هذا الموضوع أكثر.
شكرًا لكل من شجعني ومن سيشجعني، على أي عمل فني أقوم به.
شكرًا للأهل و لكل الأصدقاء، و الأحبة و لكِ صحفيتنا المبدعة.
و نصيحتي لكل شخص، كُن إنسانًا، و فعل زر ضميرك، وبذلك ستكون قليل الأخطاء بحق الآخرين، وإن أخطأت سيكون ذلك بدون قصد منك، و إن أخطأت بدون قصد، سوف لن ترتاح حتى تعتذر، و تصحح الخطأ و يسامحك من أخطأت بحقه!
و هنا ستستحق جائزة قيمة بما أنك إنسان بحق، وهي ستكون محفوظة لك عند الله سبحانه و تعالى.
وسوف تحتاجها لاحقًا بالتأكيد.
نصيحتي إلى الأخوة المبتدئين بمجال الرسم.
الرسم جوهرة ثمينة، تحتاج لأن نصقلها بالتمرين الدائم، عليكم بالصبر و عدم اليأس و عدم الإستعجال، حتى لو تأخرت عدة أيام لإتقان الرسمة لتكونوا فنانين بحق.
مع تمنياتي بالتوفيق للجميع.
وفي الختام نتمنى لمبدعنا مُستقبل باهِر يليق به، وله مني ومن مجلتنا تحية طيبة إلى يوم يُبعثون.






المزيد
وليد عاطف: دعم الناشرين طريقنا لبناء مستقبل ثقافي أقوى
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي