مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نيران بين الضلوع

رسالة وُجدت داخل دفتر قديم دون اسم صاحبها

إذا وصلت إلى هذه القصة فاقرأها حتى النهاية

لا تحاول أن تحكم على أي شخص فيها من البداية

ولا تصدق أول حقيقة ستعرفها

لأن أكثر شيء مخيف في هذه الحكاية

أن الوحش لم يكن مختبئًا في الظلام

بل كان يقف طوال الوقت تحت الضوء


قصة بعنوان   نيران بين الضلوع

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

في شتاء عام 2018

وصل أدهم إلى مدينة الساحل القديمة

مدينة غريبة لا تشبه أي مكان آخر

الشوارع فيها ضيقة

والمباني العتيقة تبدو وكأنها تخفي أسرارًا أقدم من سكانها

كان في الرابعة والعشرين من عمره

هادئًا

منطويًا

يحمل حقيبة صغيرة فقط

وكأنه جاء ليقضي يومين ثم يرحل

لكن الحقيقة

أنه لم يأتِ للسياحة

ولم يأتِ للعمل

بل جاء يبحث عن إجابة

إجابة لسؤال ظل يطارده منذ خمسة عشر عامًا

من قتل والده

حين كان أدهم في التاسعة من عمره

استيقظ ذات ليلة على صوت صراخ

ركض خارج غرفته

فوجد الشرطة داخل المنزل

ووالده ممددًا على الأرض غارقًا في دمائه

ومنذ ذلك اليوم

اختفى القاتل

وأُغلق الملف

وبقي السؤال معلقًا

من فعلها

ولماذا

بعد سنوات طويلة

وصلته رسالة مجهولة

داخل ظرف بلا اسم

كان مكتوبًا فيها

إذا أردت معرفة من قتل والدك

اذهب إلى مدينة الساحل القديمة

وابحث عن البيت رقم 17

ثم احرق هذه الرسالة

وبالفعل

وصل أدهم

وكان البيت رقم 17 يقف في نهاية شارع مهجور

منزل ضخم

قديم

نوافذه مغلقة

ويحيط به سور حديدي صدئ

لكن المفاجأة

أن المنزل لم يكن مهجورًا

بل كانت تسكنه فتاة

اسمها ليلى

في الثالثة والعشرين من عمرها

جميلة بشكل لافت

لكن أكثر ما شد انتباهه

هو الحزن الموجود في عينيها

كأنها تحمل قصة لا تريد لأحد أن يعرفها

في أول لقاء بينهما

كانت تقف أمام باب المنزل حين سقطت منها بعض الأوراق

ساعدها أدهم في جمعها

وحين رفعت رأسها نحوه

تجمدت في مكانها

وكأنها رأت شبحًا

ثم قالت بصوت مرتبك

إنت مين

قال

أدهم

لثوانٍ طويلة

ظلت تنظر إليه

ثم قالت

غريب

أنت بتشبه حد أعرفه

لم يعرف وقتها

أن تلك الجملة ستغير حياته بالكامل

مرت الأيام

وبدأ يقترب منها

كانت ليلى مختلفة

كلما حاول معرفة شيء عنها

تهرب

كلما سألها عن عائلتها

تغير الموضوع

كلما اقترب من أسرارها

أغلقت الأبواب

لكن رغم ذلك

بدأ الحب يتسلل بينهما بهدوء

شيء لم يكن في حساباته

هو جاء لينتقم

لا ليقع في الحب

لكن قلبه لم يستأذنه

وفي المقابل

كانت ليلى تشعر بالأمان معه بطريقة لم تعرفها من قبل

لكن كلما اقتربت منه أكثر

ازداد خوفها

وكأن هناك شيئًا تعرفه

قد يدمر كل شيء

وفي إحدى الليالي

كان أدهم عائدًا إلى الفندق

حين لمح رجلًا مسنًا يراقبه من بعيد

اقترب منه الرجل

ووضع في يده ورقة صغيرة

ثم اختفى وسط الضباب

فتح أدهم الورقة

فوجد جملة واحدة

إياك أن تثق بليلى

شعر ببرودة تسري في جسده

وفي اليوم التالي

بدأ يبحث أكثر

حتى اكتشف شيئًا غريبًا

صورة قديمة عمرها عشرون عامًا

داخل أرشيف إحدى الصحف

الصورة كانت لعائلة ثرية

وبين أفرادها

وجد وجهًا يعرفه جيدًا

وجه ليلى

لكن بعمر طفلة صغيرة

وبجانبها

وقف رجل

حين رأى صورته

شعر أن قلبه توقف

الرجل كان هو نفسه الشخص المشتبه به قديمًا في مقتل والده

عاد إلى الفندق مصدومًا

لم ينم طوال الليل

هل يعقل أن تكون ليلى ابنة الرجل الذي قتل والده

إذا كان الأمر صحيحًا

فلماذا لم تخبره

ولماذا ظهر في حياته الآن

وفي اليوم التالي

واجهها بالحقيقة

كانت تجلس أمام البحر حين جلس بجوارها

ووضع الصورة أمامها

شحب وجهها فورًا

وسقطت دمعة من عينها

قال أدهم بصوت مرتجف

مين الراجل ده

أغمضت عينيها

ثم قالت

أبويا

ساد الصمت

قال

هل قتل والدي

بدأت تبكي

لكنها لم تجب

فصرخ لأول مرة

جاوبيني

قالت وهي ترتجف

أنا معرفش

لكن فيه حاجة أسوأ

نظر إليها بصدمة

فأكملت

أبويا اختفى من عشر سنين

وإلى النهارده محدش يعرف هو فين

في تلك اللحظة

بدأ الغموض يزداد

إذا كان والدها مختفيًا

فمن أرسل الرسالة

ومن كان يراقبه

ومن يريد كشف الحقيقة الآن

وبعد أسبوع

حدث ما لم يكن متوقعًا

استيقظ أدهم على صوت طرق عنيف على باب غرفته

فتح الباب

فوجد صندوقًا خشبيًا صغيرًا

لا يوجد عليه اسم

فتح الصندوق

فوجد ساعة والده

نفس الساعة التي اختفت ليلة مقتله

وتحتها ورقة مكتوب فيها

اقتربت كثيرًا

لكن الحقيقة أقبح مما تتخيل

في تلك الليلة

قرر أدهم أن ينهي الأمر

بدأ يتتبع كل الخيوط

كل الأسماء

كل الوثائق

حتى وصل إلى منزل قديم مهجور خارج المدينة

هناك

وجد السر كله

وجد ملفات

وصورًا

وتسجيلات قديمة

لكن الصدمة الحقيقية

لم تكن في محتوى الملفات

بل في الاسم الموجود عليها

اسم القاتل

لم يكن والد ليلى

ولم يكن أي شخص توقعه

كان اسم عمه

أقرب شخص إليه

الرجل الذي رباه بعد وفاة والده

الرجل الذي كان يعتبره أبًا ثانيًا

جلس أدهم على الأرض غير قادر على التنفس

كل هذه السنوات

كان يبحث عن قاتل بعيد

بينما القاتل كان يعيش بجواره

يزوره

ويحتضنه

ويواسيه

وفي نفس الليلة

ظهر العم بنفسه

كان يعلم أن الحقيقة انكشفت

واعترف بكل شيء

اعترف أنه قتل شقيقه بسبب المال

ثم لفّق التهمة لوالد ليلى

الذي حاول كشف الحقيقة

فتمت مطاردته حتى اختفى

انهار عالم أدهم بالكامل

كل الذكريات الجميلة تحولت إلى كابوس

كل الثقة تحولت إلى خيانة

لكن النهاية لم تكن قد وصلت بعد

لأن العم حاول الهرب

وخلال مطاردته

اندلع حريق ضخم داخل المنزل القديم

النيران انتشرت في كل مكان

وسقطت الأخشاب المشتعلة

وفي لحظة قاتلة

وجد أدهم نفسه محاصرًا بالنار

لكن قبل أن تسقط عليه إحدى العوارض الخشبية

اندفعت ليلى نحوه

ودفعته بعيدًا

فسقطت هي مكانه

صرخ باسمها بجنون

وركض إليها وسط اللهب

كانت فاقدة الوعي

والنار تقترب منهما

بصعوبة شديدة

حملها وخرج بها من المنزل قبل انهياره بثوانٍ

وبقي بجوارها في المستشفى أيامًا كاملة

رافضًا مغادرة غرفتها

حتى فتحت عينيها أخيرًا

نظرت إليه بصعوبة

وقالت

عرفت الحقيقة

ابتسم والدموع في عينيه

وقال

آه

قالت

وبقيت تكرهني

أمسك يدها بقوة

ثم قال

أنا كنت بدور على قاتل

ولقيتك إنتي

ولقيت نفسي معاكي

أما الكره

فمات من زمان

مرت السنوات

وأُغلقت القضية أخيرًا

وظهر والد ليلى بعد سنوات طويلة من الاختفاء

وثبتت براءته

لكن أكثر شيء بقي داخل أدهم

لم يكن ذكرى الجريمة

ولا الخيانة

ولا النار

بل تلك الحقيقة التي تعلمها متأخرًا

أن بعض النيران لا تشتعل في البيوت

بل داخل القلوب

وأن أخطر الجروح ليست التي تصيب الجسد

بل التي تبقى مشتعلة

بين الضلوع

لسنوات طويلة دون أن يراها أحد.