مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حينَ يُزهرُ الغياب بقلم هانى الميهى

حينَ يُزهرُ الغياب بقلم هانى الميهى

 

ليس الغيابُ فناءً كما يظنّ السطحيّون،

بل هو هيئةٌ أخرى للحضور؛

يمرّ كطيفٍ من نورٍ على جدار الروح،

يمنح الأشياء معنى، ثم يمضي كأنه لم يكن.

ثمّة لحظاتٌ نقف فيها على حافّة الانتظار،

نُداري خيباتنا بابتسامةٍ خجلى،

ونُقنع أنفسنا أن الأقدار تؤجّلُ اللقاء لا تُلغيه،

وأنّ الغيمَ المتأخّر سيجيء ولو بعد حين.

لكنّ القلوب التي تُصدّق الحلم أكثر مما تُصغي إلى الواقع،

تتعلّم متأخرةً أنَّ المطر لا يأتي في كلِّ المواسم،

وأنّ بعض المواعيد لم تُكتَب لتُنجز،

بل لتُبقي فينا رجفة الأمل الأولى.

يا لعنادِ الحنين حين يتشبّث بما لم يعُد!

يجعل من الفراغ وطناً،

ومن النسمة الهاربةِ نداءً،

ومن كلِّ سكونٍ قصيدةً لم تُكتمل.

أُصغي أحيانًا لصدى الذين رحلوا،

فأجدهم أكثر حضورًا من الواقفين حولي.

ربّما لأنَّ الغياب، حين يتطهّر من العتاب،

يُصبح ذاكرةً شفافةً تُشبه الصلاة.

تأخّر المطر؟

نعم، لكن الأرض التي انتظرته لم تمت؛

بل أزهرت بصبرها، وعلّمتنا أنَّ الانتظار نفسه حياة،

وأنَّ من يزرعُ الحنينَ في قلبه،

قد لا يحصدُ اللقاء،

لكنّه يحصدُ نُضجًا لا يعرفه إلّا الذين أوجعهم الغيم.

فالغيابُ، في جوهره،

ليس نقيضَ الحضور،

بل امتدادُه الخفيّ — الوجهُ الآخر للحبّ حين يختبر صمته.