مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حيث تلال الشوكولاتة الجزء الأول

Img 20240303 Wa0115

كتبت: سحر الحاج 

استقبلت إحدى الجزر البعيدة، أولى أشعة الشمس بخيوطها الذهبية تتراقص بين التلال المخروطية في شكلها الغريب، بقدر ما يمكن للعين رؤيته في صباحاً لم يكن كأي صباحٍ من قبل، عكست أشعتها في مياه المحيط، ويتلون بلون ذهبي يغمره زرقة المياه البراقة ترى؛ وكأنها عروس تتراقص بفستانها الازرق الذهبي، رؤية الشواطئ الرملية، حقول الأرز، وقرى الصيد، هكذا هو صباح جزيرة “بوهول” جمالها يأخذ الأنظار إلى بعيد وكأنها جزيرة أميرات، حيث أشجار المانغروف والأيكة، وجمال الغابات الكثيفة.

في كنيسة “السيدة العذراء” وهي واحدة من أضخم كنائس بوهول تتمتع بفن مزيج معماري بأبراجها ونوافذها واقواسها المدببة، وجدرانها التي تتزين بصور يسوع والسيدة العذراء، دخلت الكنيسة تجر أرجلها بصعوبة تشعر بثقلًا على قلبها وهي في هذا المكان ماذا يحدث لها؟!

 

تسأل نفسها كيف شعرت بهذا الشعور لم يزورها من قبل، فكر ثقيل و قوي يثلج صدرها عن هذا المكان ولكنها مجبرة على المجيء، ولكن هذه المرة لم تصلي بل وقفت ساكنة لا تأبه بالنظرات المصوبة نحوها والكل يعرفها فهي ابنة القس الكبير لماذا تقف هكذا؟! بسكينة وكأنها لا ترغب في الصلاة، ظلت تتلاعب بقلادتها ذات الصليبُ الذهبي ظهر من أسفل عنقها لتشرد معه في حكاية لا يعرفها احد الا هي…

 

خرجت مسرعة بل هرولت إلى الخارج، لحقتها صديقتها مستعجلة لتوقفها متسأله:

 

_ ماذا حدث لك؟! لم أراك تذكري الصلاة اليوم!

 

لم تجبها “أنالين” على سؤالها بل قالت بسرعة:

 

_ ما رأيك في الذهاب الى كهف “هيناغدانان” في يوم العطلة المقبل.

 

وافقتها “رينا” الرأى قبل أن تقول:

 

_ سنخبر بقية رفاقنا، و نأخذ ما يستلزم المكوث حتى حلول المساء، متى اشتريتي هذا القلادة الجميلة!

 

_ حسناً سأخبر والدي، و أهاتفك مساءٍ،

 

وأكملت تقول:

 

_ هذا أعطاني إياه أبي.

 

ابتسمت لها صديقتها وأكملت سيرهما نحو المنزل.

 

بين تلال عالية تطل هنا وهناك؛ قَبَعَة مجموعة منازل جميلة ذات أبنية ريفية رائعة تحاوطها أشجار الأيكة ويحوي كل منزل منها مزرعة الحيوان ، سارت أنالين بين وديان القرية مسرعة للمنزل وقفت تطرق الباب لتفتح لها والدتها “الياسمين” بابتسامة جميلة، لتقول بحب حنون.

 

_ أهلا يا صغيرتي لقد تأخرت كثيرًا اليوم.

 

بادرتها أنالين الابتسامة ووضعت قبلة صغيرة على خدي والدتها ، لتجيب بأدب معهود:

 

_ أمي الحنون لقد تحدثنا أنا ورينا أثناء عودتنا من الكنيسة لهذا لم أشعر بتأخر الوقت.

 

أومت الياسمين برأسها، واصلت عملها في المنزل فأنالين هي ابنتها الوحيدة، ذات العشرين عاماً تخاف عليها من كل شيء وكأنها تشعر أنها ستبعد عنها إن تركتها وشأنها، هي صغيرتها ذات العيون البنية والشعر الأشقر الطويل، كانت تنظر لها من الحين والأخر لترى كيف أصبحت تلك الفتاة يافعة اليوم، ابتسامة أخرى منها كفيلة بأن تجعل انالين تقفز إلى حضن أمها وتمسح على شعرها بحنانٍ لتسألها:

_ أمي هل يعقل أن قسيس متعصب لديانته أن يتركها ويدخل دين محمد؟ أقصد الإسلام

أجابتها أمها محذرةٍ إياها:

_ إياك والتحدث عن هذا الكلام أمام والداك فهو أيضاً قسيس؛ وإذا سمع هذا يغضب جداً..

ثم سكتت لبعض الوقت وكأنها تفكر؛ ثم قالت:

_ ما هو سبب هذا السؤال؟ أرجو أن لا يكون هناك من ترك المسيحية.

لم تجبها انالين، بل شردت في اللاشيء وكأن هناك ما يجول في خاطرها.

_ لا بأس لن أخبر أبي، سيعلم قريباً خبر إسلام القسيس.

صدمت الياسمين من هذا الخبر ظلت تنظر إلى ابنتها مشدوهة …

_ لا أصدق متى أسلم الرجل؟؟

_ عندما دلفنا إلى الكنيسة لم يكون هناك اجتماع للصلاة، كان كل من في الداخل في حيرةٍ من أمره انتظرنا مسافة طويلة حتى نرى قسيس جديد أخبرونا أن القسيس إعتنق الإسلام.

_ لقد أنتشر الإسلام في البلدة بشكل أوسع، وهذا القس بالتأكيد سيتبعه الكثير.

_ أرجو أن لا يغضب والدي لأنه يحب دياتنا جداً لكنها صمتت لم تكمل حديثها.

شعرت الياسمين أن ابنتها تخفي عنها شيء ولكنها فضلت الصمت.

تململت أنالين في جلوسها بملل، كانت مترددة قليلاً ولكنها تكلمت أخيرًا:

_ قررنا أنا وأصدقائى الذهاب إلى كهف هيناغدانان وأرجو منك أن توافقي وتخبري أبي أن يسمح لي بالذهاب إلى هناك مع رفاقي والأ فلن أحدثكم إذا لم تسمحوا لي بالذهاب.

فكرت أمها قليلاً قبل أن تقول مترددة بعض الشيء.

_ سأسمح لكِ بالذهاب، ولكن هل تظنين أن أباكِ يسمح لكِ فتعلمين أنه لا يحب مثل تلك النزهات، سأخبره عندما يعود من عمله فهو اليوم يتولى الصلاة في كنيسة “باكلايون” لأن صديقه قسيس الكنيسة، ولهذا سيبقى حتى حلول المساء ويعود.

 

ظلت انالين قلقة طيلة المساء لحين عودة والداها، وقفت أمام النافذة تنظر إلى الطريق المؤدية لمنزلهم رأته من بعيد قادم في نفس الطريق، ابتلعت ريقها بصعوبة تفكر هل يقبل والدها ذهابها لذلك الكهف فهو يكره أولئك الغرباء الذين يأتون كل فترة وأخرى أبحاثهم الجيولوجية، والبحث داخل الكهف وأرض جزيرتهم وتلك التلال الغريبة الشكل كل هذا يبغضه والدها، لأن أغلب الباحثين من المسلمين يترك عمله ويجلس محاولاً إدخال أحدهم في الإسلام، فهي تعلم مدى تعصب والدها لديانته ولكن لا أحد يفرض على أحد التدين بدين لا يريده، وصل والدها إلى المنزل ذهبت لاستقباله كما تفعل دائمًا.

 

*******************

في بلد بعيد حيث الازدحام في الطرقات بين قادمٍ و عائد بين واقفاً وجالس، سيارات تحاول السير بصعوبة بسبب إزدحام طريق السير، حافلات تقف على جانب الطريق لتنقل الركاب إلى حيث وجهتها، وسيدات يجلسن وأمامهم مأكولات شعبية تقوم ببيعها، وصبي صغير يجلس لتلميع الأحذية، كل منهم يعمل لقوت يومه، هذا هو طريقه المعتاد كل يوم ليقف هنا قرب هذه السيدة التي تبيع ما يسمى بـ ايسكريم في المركز الإسلامي أو كما يطلق عليه موقف جامعة إفريقيا العالمية نسبة للجامعة ذاتها.

هكذا هو “أحمد” الشاب الخلوق ينتظر الحافلة المتجهة إلى إحدى مدن العاصمة بعد أن أنهى دوامه في الجامعة هذه أخر أياماً له في دراسة الماستر في البيولوجيا بجامعة إفريقيا العالمية، تناول إحدى الأحجار المتوسطة المترامية على رصيف الطريق ليجلس فيه قرب الخالة “خديجة” قبل أن تخرج له كيس إيسكريم بشكل مستطيل جذاب وتأخذ ورقة من أمام حجرها لتلفها بها وتناولها له بعد جلوسه مباشرة، لتقول مبتسمة كعادتها.

_ لقد تأخرت اليوم ليس كعادتك، وهذا آخر ما تبقى في حافظتي تركته لك.

أمسك أحمد ما بديها وتنهد تنهيدت طويلة قبل أن يجيبها قائلاً:

_ أتمم اليوم أخر عمل لي ولهذا أخذ وقت حتى أسلم وعلى السفر غداً إلى الفلبيين مع القافلة البحثية سنزور بعد الأراضي فيها من التضاريس…

 

ضربت الخالة خديجة يديها على صدرها لتقول بصدمة:

_ ماذا تقول هل تسافر إلى بلد الكفار من أجل البحث في أرضهم!

ضحك أحمد من حديثها العفوي حقا إنها سيدة بسيطة وطيبة، قال لها بهدوء:

_ لا لن نبحث في أرضهم فقط لدينا أبحاث نحتاجها في مجالنا هذا؛ وهناك مسلمين كٌثر حتى في هذه الجامعة أمامنا تحتضن بداخلها جنسيات من شتى دول العالم ليس فقط نحن من ندرس فيها، هناك طلبة من نفس هذا البلد الذي أتوجه إليه.

_ ليكون ذلك، سأفتقد حديثك وجلوسك قربي لحين وصول الحافلة.

فكر قليلاً كيف سيبين لها أن هذا لا علاقة له بالدين في شيء هذا عمل وجب عليه السفر بسببه، منذ أن تعرف اليها قبل سنوات عندما كان طالب في الكلية ذاتها، وهي سيدة مسالمة جداً تجلس لتبيع ما بيدها هذا رزقها اليومي منذ أن قدمت من إحدى الولايات لتستقر مع ابنتها وأحفادها هنا، يبادلها الحديث عندما يسمع قصصها وما ترويه له عن حياتها في الماضي، ليحكي لها كذلك عن حياته وكيف سعى في طفولته وترك مدرسته لعامين ليحفظ القرآن، عندما وصلت الحافلة نهض ودعها إلى حين اللقاء في القريب إذا شاء الله، تزاحم الركاب مع بعضهم كلهم يصارع للحصول على مقعد يجلس فيه صعد أحمد بعد معاناة لتنطلق به إلى حيث وجهته المعتادة.

 

وصل أحمد الحي الذي يسكن فيه بعد أن أنزلته الحافلة في الطريق الرئيسي سلك الطريق المؤديه لمنزله سار بين الأبنية المختلفة بيوتٍ أرضيه وأخرى ذات طابقين، كل من يراه يسلم عليه الكل يعرفه شخص محبوبٌ لديهم، حتى هؤلاء الفتية الذين يلعبون كرة قدم في ساحة كبيرة أمام منازلهم يسمونه الميدان كل من يعرفه منهم يناديه من بعيد ليبادره السلام، هناك يجلس العم التوم في كرسيه قرب البقالة التي يمتلكها ويقف بجانبه العم عجيب قطعوا حديثهم عندما أقترب منهم أحمد…

أوقفه العم التوم ليسأله:

_ هل أكملت دراستك أم مازلت تدرس؛ رأيت والدك صباحًا ولكنه لا يقبل الجلوس معانا هنا أمام البقالة فهو لا يحبذ ذلك.

لحظات خطر على بال أحمد حديث النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم والجلوس في الطرقات “….

ولكنه اكتفى بابتسامة استأذن مغادراً، محدثًا نفسه في حالة هؤلاء الرجال في الحي لا شيء يشغلهم سوى الجلوس و إيقاف كل من يمر بقربهما، طرق باب المنزل ليسمع صوت أخته عفاف تقول من الداخل…

_ من الطارق؟!

جاءها صوته من خلف الباب..

_ أنا أحمد أفتحي لي يا عفاف.

فتحت أخته الباب واستقبله بابتسامة مشرقة، دائما ما كانت هي الأقرب إلى قلبه من بين أخوانه عفاف تصغره بخمس سنوات، فهي أصغر فرد في عائلته بالنسبة له هي صندوق أسراره فلا يخفى عنها شيء يحبه وهي كذلك تحفظ سر أخاها الشاب الوسيم صاحب الأعين السوداء وكأنها ليلاً حالك من جمالها، وطغى عليها جمال لحيته المهذبة لتجعله أكثر وسامة و وقار ظاهر على ملامحه…

تقدم معها للداخل وجد والدته مستلقية على سريرها جلست عندما رأته يدلف إلى الداخل برفقة أخته لتبتسم له وتستعد لتلك القبلة الدافئة على جبينها و يدها وتقول من بين ابتسامتها.

_ مرحبا بالغالي العزيز!

قبلها كم توقعت وربت على يدها بحنانٍ قائلا:

مرحبا بالغالية العزيزة أعذريني لقد تأخرت اليوم كان علي أن أسلم جزء من عملي ولهذا أخذ وقتها طويل.

ربتت هي كذلك على يده الأخرى ولم تختفي ابتسامتها صحبتها بدعاء كان ينتظره منها.

_ لا بأس يا ولدي فهذا هو مستقبل وأسال الله أن يرفع شأنك ويقوي بدنك و يسهل عملك.

تمتم قائلا بخفوت:

_ آمين آمين.

ثم بعدها تلفت حوله يسأل عن والداه منذ أن جاء ولم يراه هنا…

_ أين هو أبي!

أجابته السيدة بتول:

_ أظنه في الداخل.

دخل ينادي والده، بعد أن سلم عليه وقبله على جبينه، خرج معه من داخل الغرفة واجتمعوا ثلاثتهم كما يفعلوا دائما، أخبرهم أحمد قائلاً:

_ تقيم الجامعة قافلة علمية غداً سنسافر في الغد بإذن الله.

عبست السيدة بتول على الفور، وكأنها لا تريد له أن يتكلم عن السفر في هذا الوقت لكنها أذعنت لكلامه وتفهمت موقفه؛ فقد اكتفى والده بأن دعا له بالتوفيق والعودة بسلام …

غادر في اليوم التالي لينضم لرفاقه، في الرحلة الطويلة كان محمد الفلبيني اسعدهم بهذه المغامره إلى أرضهم كما يسميها هو، لم تطئ قدمه إلى جزيرته منذ أن غادرت أسرته المكان بسبب عمه القس.

 

*******************

في صباح اليوم التالي استعدت انالين وأصدقائها، للذهاب إلى نزهتهم نحو كهف هيناعدنان المضئ بعد أن وافق والداها على مضض بعد محاولات من الاقناع بأن لا تهتم لهؤلاء الغرباء المتواجدون في الكهف أبحاثهم ، عزمت حقائبها وانطلقت هي و رينا تلحق بالبقية…

وصل أحمد ورفاقه في ذات الوقت الذي قدم فيه مجموعة من الفتيات والصبية تتقدمهم أنالين ورفيقها، وقفت تلتفت حول المكان لترى أين يمكن أن ينزلوا أغراضهم، رأت شاب أسمر البشرة نحيل بعض الشيء زينت وجهه لحية سوداء مما جعلته أكثر وسامة، كان يدون على ورقة في يده بعض الملاحظات وينتشر بقية رفاقه حول المكان، لم تنتظر طويلاً تقدمت نحو ناحية البحيرة وضعت أغراضها، قبل أن تجلس على حافة البحيرة وقامت بخلع حذائها وأنزلت أطراف أرجلها للمياه، وأغمضت عينها منتعشة من برودة الماء وزينت ملامحها ابتسامة جميلة، حانت التفاته من أحمد ليرى تلك الفتاة ذات الشعر الأشقر جالسة بصورة طفولية ملفتة، أدار رأسه نحو صديقه ليكمل حديثه معاه ولكن هناك شيء جذبه نحو تلك الفتاة لا يعلم ما هو حتى في الشبه تحمل نفس ملامح صديقه محمد ليته كان معهم اليوم ليرى من يشبهه بهذا الشكل ولكنه ذهب لزيارة أخاه قبل أن يبدأ في العمل.

بعد أن أنهى أحمد ما عليه اليوم همّ هو ورفاقه للمغادرة على العودة غداً لإكمال ما تبقى فقد داهمهم الوقت وحل الظلام، رأى شيء يلمع على الأرض، دنى قليلاً وأخذه كان قلادة ذهبية وعليها صليب، همّ برميه في مكانه لولا أن رأى تلك الفتاة ومعها أحد رفاقها يبحثوا بإضاءة هواتفهم نحو المكان، علم أنهم يبحثوا عن هذا الشيء الذي يمسك به.

 

يتبع ….