مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حكايات غزة؛ البسكويت بثمن روح

Img 20241028 Wa0169

 

كتبت: هاجر حسن 

 

 

تتعدد المشاهد في يومنا، منها الحقيقي ومنها التمثيلي، وبعضها يُدمي الفؤاد. 

أصبحت غزة كحكاية يومية من مسلسل رعب، كل يوم تفوق مشاهدها حدود الخيال. 

 

في مخيم الشاطئ بمدينة غزة، حيث تتجمّع أرواح اللاجئين ممسكين بأطراف الحياة. تتزاحم الوجوه المختلفة في ملامحها، لكن تجمعها نظرات تعكس قصص قسوة الزمان. الأطفال يركضون في الأزقة، يصرخون باللعب، متحدين برودة المخيمات.

 

زينة، قرة عين أبيها، هي طفلة تجسد البراءة. إذا وقعت عيناك عليها، ترتسم ابتسامة على شفاهك دون أن تدري. هي كزهرة تتحدى الرياح، ملامحها تشع بالأمل وابتسامتها دافئة كأشعة الشمس في ليالي الشتاء الباردة. لكن كان مكتوبًا عليها، ككل أطفال غزة، أن يقسو العالم عليها، أن يسلب منها أمان طفولتها ومرحها. 

 

كل يوم، تشاهد زينة صفوفًا تتزاحم على أي طعام يسد رمق الجوع. تذوق ألم الجوع، تحمله برفقة أخيها الأصغر، محرومة من الألعاب والحلوى وقطع البسكويت التي تراها في أحلامها. 

 

سمعت زينة أن هناك بسكويتًا يوزع على اللاجئين. نظرت ببراءتها إلى أخيها الصغير، قبلت يديه وهمست له بسرور: “سأجلب لك مفاجأة” ارتسم الفرح في عينيها وهي تضيف: “سأحضر لك بسكــويتًا!” 

 

ركضت، وقلبها يخفق بحماس رغم قسوة الزحام، تغني بفرح “بسكويت، بسكويت”، حتى خنق صوتها دوي الطائرات الحربية الصهــيونيــة. تلألأت السماء بأصوات الموت، وحلّ الصمت فجأة على المكان. 

 

في لحظة واحدة، تبدل المشهد، وأصبحت قطع البسكويت ملونه باللون الأحمر، لون الدماء. ارتقت روح زينة وهي تنظر إلى السماء، بعينين فاضتا بالبراءة والعجز، وكأنها ترقب الزمن الذي خذلها.

 

وأخوها ما زال ينتظر قطعة البسكويت، ينتظر “مفاجأة” زينة، لكنه لا يعلم أن البسكويت بثمن روح. 

 

بأي كلمات يواسي الزمان أباهما؟ كيف سيدرك أخيها الصغير أنه فقد أخته زينه من أجل قطعة بسكويت؟ 

 

هكذا تمضي المشاهد في غزة، لكن هناك مشهد يخترق جدران روحك. ليس مشهد زينة والبسكويت هو المدمي للقلب الأول، وقد لا يكون الأخير. ففي غزة، كل لحظة روح طفل ترقى إلى السماء، تحكي للملائكة عن غدر وقساوة البشر. 

 

والآن، هل لا زلت تتساءل لماذا سينطق الحجر والشجر؟ 

هل أدركت الآن لماذا يرفض أهل غزة المسامحة؟ 

هل تملك إجابة كيف تستمر الحياة في ظل معاناة لا تحتمل؟