مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حريّتي أن أضع قيودي بنفسي

Img 20241108 Wa0129

 

كتبت ملاك عاطف

إلى مي زيادة

هذا ثاني لقاءٍ بينَنا، أتذكّرُ أنّي صادفتُكِ أول مرّةٍ في حصّةِ اللغةِ العربيّةِ، وأحرجتِني أمامَ التّلميذات الجالِساتِ خلفَ الأدراجِ يحملِقنَ فيّ، هل كانت فعلتكِ تلك هي جزءٌ مِن حرّيتكِ أيضًا؟

كنتُ قد حملتُكِ على عرْشِ ذاكِرَتي، وقدَّمْتُكِ لهُم على أنّكِ صاحبةُ الرّسائل الّتي كانت تسقطُ زخّاتُها على رأسِ جبران خليل جبران، بينما يتظاهرُ هُوَ أنَّهُ قد نسيَ مظلّتهُ رُبّما.

أنا كُنتُ صغيرةً وقتها، وكانَ على لِساني سربُ معلوماتٍ جديدةٍ تستعدُّ للطيران، كنتُ أنتَظِرُ ثناءً من معلِّمتي؛ لأنّي كسرتُ الصّمتَ، وحطَّمْتُ رأسَ مللِ الجميعِ مِنَ الدّرس، لكنَّها أسكتَتْني وطلبت منّي الجلوسَ في مكاني؛ فهربْتِ أنتِ بصحبةِ ما حفظتهُ عنكِ، وبقيتُ أُواجِهُ نظراتِهنَّ وحدي، وظَلّلَ غَمامُ قوس المطرِ وجهي؛ فبانَ خجلي، وخوفي، وحياءي، وقُمِعَ جدّي، واختبأت براءتي تحتَ لحافِ نشاطي المزجور.

كُنتِ حرّةً في اختِيارِ لونِ حبركِ، ودربِ حرفِكِ، وكلمتكِ، كُنْتِ حرّةً في موضوعاتِ أدبكِ، كنتِ حرّةً خلفَ قُيودٍ صنعتِ حدودَها بنفسِكِ، وأنا وحماسي وقعنا في مصيدةِ سيرتك، وتشابَكَتْ أقدامُنا في شبكةِ إحراجٍ نصِبَتْ لنا بسببك، ثمَّ خلدتِ في سلامٍ ولم يحدِّثكِ أحدٌ عنّا.

وهاأنا اليومَ ألقاكِ ثانِيةً في اقتِباسٍ جديد، ألقاكِ على أرضِ مُخيّلتي الجميلة، ولكِ الملامِحُ نفسها، ولكِ حبُّ طفولَتي نفسه، ولكِ توقي لقراءةِ أعمالك، ولكِ صفحي ومُصافَحَتي، ولكِ اتِّفاقي مع قولِكِ، ولكِ شكري على عودتكِ، ولي اعتذارٌ أشتَهيهُ منكِ؛ كي تشفى ندبةُ الخذلانِ الَّتي خدشت الطّالبةَ النَّجيبةَ تلك بعدَ أن قمعتها حدّةُ ردّةِ فعلِ المعلّمة.

الحرّيّةُ أن نضعَ جميعُنا قيودَنا بأنفسِنا، فنصنعَها مِن سلاسِلِ قيَمِنا، ومبادئِنا، وطباعنا، وأخلاقِنا ونكسوها بِريشِ راحةِ البالِ النّاعم.

حرّيتُنا تبدأُ عندَما تنتَهي حرّيةُ الآخرينَ القَويمة.

حرّيتنا أن نضعَ قيودًا للهْوِنا، وشَتاتِنا، وحزْنِنا، وهمِّنا؛ كي تحلِّقَ سعادتُنا برفقةِ هنانا في أفلاكِ أرواحِنا الرَّحبة.

“حرّيَتي أن أضعَ قُيودي بنفسي”