كتبت:سحر الحاج
اجتتمع كل من حكمت توفيق ومنصور النمر، لمناقشة المشروع الذي سيقام في إحدى أراضي السيد حكمت، تم الأتفاق على كل الشروط المذكورة، وفي أثناء الاجتماع جاء عثمان شاكر، تفاجأ كل من حكمت ومنصور وصدم الأخر بوجود حكمت لم يتوقع مثل هذه الصدفة،ذ لم يتوقع حكمت أن هناك معرفة بين عثمان و منصور، عم الصمت للحظات لم يتكلم أحد، بعد برهة من الزمن قطع الصمت أخيراً حكمت ليقول بتردد موجهاً حديثه لمنصور…
_ هل هناك معرفة بينك وبين عثمان؟!
لم يفهم منصور سبب هذا السؤال الغريب نظر اليهما معاً، كانت تعابير وجه كل منهما توحى بانزعاج واحد من الأخر تكلم منصور موضحاً الموقف الغريب هذا…
_ نعم السيد عثمان صدِيقُ لوالدي منذ وقتاً طويل لكن هل تعرفه
أنت أيضاً في قسمات وجهك تقول أنك تعرفه جيداً….
قطع الحديث عثمان قائلاً:
_ نعرف بعضنا حق المعرفة ولكن ليس كل من يعرفك يعني أنه متفق معك.
قال كلماته تلك وتوجه مغادراً دون أن يلتفت للخلف؛ وكأنه أراد استفزاز حكمت الجالس بهدوء ولكن ذلك الهدوء غلبه الانزعاج، لم يستطع منصور معرفة ما يحصل بينهم ولكنه لم يعِر ذلك بالاً بل واصل حديثه مع حكمت محاولاً إفاقته من هذا الضيق الذي شعر به، وظهر في قسماتٍ وجه.
أخرج خريطة مشروع البناء من الحقيبة وبدأ في دراسة خطة بناء المشروع، في تلك الأثناء تذكر تلك الأيام التي ظل يراقب منزل هذا الرجل؛ لم يكن يتوقع أنه سيكون نفسه صاحب هذا المشروع، كيف فعل ذلك؟! كيف استطاع أن يراقب ابنته لم يكن شجاع ليطرق الباب ويطلبها من أبيها حقاً…. ظل شارداً حتى أفاق من شروده بصوت نورا بأن تطلب المهندسة الدخول، لحظات ودخلت ورد تقدمت حيتهم بالسلام، وجلست قبالة أبيها
أخبرت منصور أنها صاحبة فكرة بناء فندق في أرضهم
لم ينتبه منصور لحديثها طيلة الجلسة، هناك شئ غريب يجذبه إليها منذ أن رأها أول مرة في بيت صديقه أحمد علم منه أنها صديقة أخته مها، ولكنه لم يظهر مشاعره تجاهها لأحمد كان متردد جداً ولكن أحياناً الصدف لا تنتظر أحد.
“رُبَ صدفةٍ خيرٌ من الف مِعاد”
منذ تلك المرة وهو يراقب منزلها بعد أن علم بالصدفة موقعه ظل ليالي طويله يقف هناك يراقب بصمت ينتظر عودتها من الخارج، وأحياناً عندما تفتح النافذة ليشاهدها ويغادر دون أن يتحلى بالشجاعة والذهاب لوالدها ومراتٍ تراه أختها وتختفي خلف الستائر فجأة؛ لكن لولا تلك الليلة التي حاول أن يتقدم نحوها عندما رأها تقف خلف الباب، وتنظر نحوه وكأنها خايفة منه عندما ترجل من سيارته متقدم نحوها ولكن شيئا جعله يرجع ولم يكمل طريقه، وقتها دلفت مسرعة إلى الداخل عزم على أن لا يظهر مرة أخرى في طريقها إلا بالحلال، ظن منصور أن هذه الصدفة التي جمعتهم اليوم بداية طريق جديد لكن عليه الصبر حتى ينال ما يحب، قطع شروده صوت أحمد عندما تفاجأ بوجود ورد في شركتهم بادرها أحمد قائلا:
_ لا أصدق أنكِ أنتي من سيقوم بالإشراف على مثل هذا المشروع لم تخبرني أختي مها أنكِ من سيقوم بكل هذا …
ابتسمت ورد بحبورٍ قبل أن تقول لأحمد:
_ لم أخبر أحد بذلك حتى الآن وأعرفك هذا والدي صاحب الشركة التي عليها القيام بالبناء، أبي هذا أحمد أخ صديقتي مها.
تفاجأ أحمد بوالدٍ ورد فهو لم يسبق له أن راهُ من قبل ولم يتوقع أن تكون هي المهندسة المنتظرةٌ، تبادر حكمت وأحمد السلام من جديد، وبقى في نفس حكمت ذلك السؤال الذي يدور في رأسه منذ أن شاهد صورة منصور في الصحيفة خلف إبنته ذلك اليوم ما علاقتهم بعثمان شاكر هذا؟! لم ينتظر حكمت طويلاً بل القى بسؤاله مباشرةً …
_ هل لك معرفة شخصية بالسيد عثمان؟
تفاجأ أحمد من سؤاله ولكن لم يستغربه لأنه رأى عبوس وجهه عندما التقى مع السيد عثمان فكان يظهر أن كل واحد منهما لا يطيق الأخر، فهو يعلم بعض من ماضي زوج خالته عثمان، هل يعقل أن يكون هذا الشخص الجالس أمامه هو من أخبرته به خالته أنه كان سبباً في فقدان عثمان ساقه اليسرى لا يصدق أن أحد مثل السيد حكمت يقود سيارةٍ متهوراً قاصداً أذيت أحد؛ وكيف لأحد أن يتسبب في بتر ساق أخاه، هناك اختلاف فيما سمعه من زوج خالته وخالته نفسها، انتبه إلى أنه أطال الصمت بالتفكير ولم يجب على سؤال حكمت نطق بكلماته ويعلم أن حكمت سيصدم بما لم يتوقعه…
_ نعم فهو يكون زوج خالتي؛ ولكن لم يقبل بإستلام مشروعنا قبل أن تأتي أنت لإستلامه.
كانت تعابير حكمت لا توحي بشيء فقط أكتفى بالصمت وترك الثلاثة يباشرون بتعديل الخطة ، فكر طويلاً هل يسأل أحمد عن عثمان وهل يعلم بعض من ماضيه ، هل عرفه من يكون بالنسبة له أم لم يعلم بعد؟! ولكن في نهاية الأمر توجه بالحديث لهما معاً عدا عن ورد فهي تعرف حقيقة الأمر الذي ترك والداها أخاه أخبرهم قائلاً…
_ هذا الرجل يقربني فهو أخي من أمي.
نظر كل من منصور وأحمد لبعض صُدما مما سمعه للتو كيف تحصل كل تلك الصدف متتابعة هكذا، لم يستطع أحد منهما الحديث لبعض الوقت، أفاقا من صدمتهم تلك بعدها قال منصور متردداً…
_ لم نكن نعلم بقرابتكم فلا يبدؤ لي أنكما متفقان فنظرت كما لبعضكما لا تحوى بالراحة.
جاوبه حكمت بعد أن علم كل منهما وعلاقته بعثمان…
_ نعم فلدينا خلاف دام لسنواتٍ ولم استطع حل تلك المشكلة حتى الآن ولكن أتمني أن ينتهي كل هذا في القريب العاجل.
ابتسمت ورد لوالدها وكأنها تطمئنه بأن كل صعب سيزول في القريب، تعجب منصور وأحمد وقتلهما الفضول لمعرفة ما حدث مع هذه العائلة منذ سنوات ولكن لا المكان ولا الزمان يسمح لهما بسؤاله مرة أخرى، أراد حكمت بإعترافه ذلك إخبارهم بأن لا مجال للاختباء حتى لو في مكان العمل، رجع بذاكرته لقبل عشرين سنة مضت …
“قبل عشرين سنة”
في يوم عاصف جداً، حيث أظلمت السماء بسحب سوداء، ولا يسمع إلا صوت الرياح تعصف بكل ما حولها، أصوات الرعد المخيفة، السكون يعم المكان إلا من سيارات قليلة تسير بصعوبة أمام هذه العاصفة الرعدية، لم يعلن عن هذا في أخبار الطقس اليوم، سكنت الطرقات وكان في هذا الوقت يمر هو من تسبب في ذلك، ظل هكذا حتى أعطى مهدئ لحالته تلك، لم تتحمل والدتهما كل ذلك ماتت من فورها، وظل عثمان يحمل مسؤولية ما حدث لأخيه وحتى موت أمها لم يسلم حكمت من الاتهام بإنه من تسبب بحزنها ، مرت أيام وشهور على هذه الحال، كانت سلوى تعطف على أخوها بقيت تواسي كل منهما بأن ما حصل لم يكن بيد أحد ما حدث قضاء وقدر ولكن عثمان صاحب القلب القاسي من صغره و غروره كل ذلك ظهر في تلك الأزمة الخانقة التي مر بها، لم يتحمل حكمت كل تلك التهم، أخذ كل ما لديه وغادر المنزل، توسلات سلوى وبكاءها لم يأتي بنتيجة، أراد أخذها معه ولكن عثمان طرده وأخبره أنها هي الأقرب له فهو مجرد أخٍ له من أمه وهي شقيقته الصغرى، قبل أن يغادر أوقفه عثمان ليقول بجفاء وعداوة…
_ لن أسامحك علي ذلك ما حيت، أنت أخذت مني كل شيء حتى ساقي أنت من أخذتها، لن أغفر لك أبداً ما حدث …
سمع حكمت كلماته وحانت منه التفاته خلفه وكأن هذا ليس أخاه شخص أخر تماماً نظراته تحمل كراهة وحقد، لن يزول، دمعة عيناه واصل سيره خرج من بيتاً عتيق حمل معه ذكريات طفولته وأيامه كلها، مر على ذلك سنوات طويلة وما زال وكأنه بالأمس، حاول حكمت أن يسامح من أخاه كثيراً ولم يقبل عثمان مسامحته أبداً ، كان يذهب ليلتقي بأخته سلوى من وقت لأخر، هي الشيء الوحيد الذي يربطه بهذا البيت لولاها لم يقترب منه، عاد من ذاكرته ، ولكنه ظل صامت يستمع لهم ، اتفقوا أن يبدأ العمل من الغد.
قبل ذلك توجهوا الي الأرض ليراها منصور أعجبته كثيراً، وجمال موقعها ملفتٌ للأنظار ، تطل تلك الارض علي طبيعة رائعة ، فكانت تصلح لأن تكون مبنى سياحي كبير، قال منصور بابتسامة ورحابة صدر…
_ هذا المكان جميل ورائع يشعر النفس بالراحة والهدوء فهو فعلاً يستحق أن يكون كما أردنا له أن يكون .
بادلته ورد الابتسام مما جعلتها أكثر جمالاً ، قالت ببراءةٍ معهودة.
_ صحيح ، لطالما أحببت أنا وأبي أن يكون هذا المكان هو الذي سنحقق فيه أكبر أحلامنا.
في صباح اليوم التالي ابتداء العمل في البناء، وكانت ورد واقفة مع بقية المهندسين ينظروا لبدء العمال بالعمل، وفي تلك الاثناء وصل منصور وأحمد وحكمت، كان كل واحد منهم له في نفسه ما يحمل هذا المشروع له مكانة خاصة عنده، ورد وحكمت نفس مرادهم، وهو تحقيق حلم قديم والآن هو إمامهم منصور يحمل له أرباح ليسترجع قوة ومكانة شركته، وأحمد هو نصر له لأول عمل يشارك فيه مع منصور، كل منهم ينظر لهذا المكان كما تمناه.
مرت شهور على العمل في البناء وتلك الفترة تعرف منصور و ورد على بعضهما ونشأت بينهما علاقة جميلة ، عندما إكتمل المشروع كأن هالة من الشرخ العالي ، حلم تحقق ووعد وفى ، عزم وإصرار ونال من نال ، نجح منصور في إستثمار أكبر المشاريع ليجعل من شركته من أكبر الشركات في منطقته ، في تلك الفترة تزوج صديقه أحمد من أخته كوثر ، حتي جاء يوم الإفتتاح الكبير … فرح حكمت من جعل أفضل أراضيه مكان يأتي له كل سايحٍ وزائر لبلدهم ، نالت ورد تحقيق حلم والدها حضرت أمها نهى و أختها سهى وأخوها يوسف كانت العائلة مجتمعة في تلك اللحظات السعيدة التي إنتظروها طويلاً منذ سنوات واليوم تحقق حلمهم … في وقت غير متوقع جاء عثمان ومعه سلوى ، عم الصمت وكانت علامة الاستفهام على وجوه الكل ماذا يفعل عثمان هنا؟! سؤال لن تجيبه الا هو … تقدم نحو حكمت وكان بادئ عليه أثر الندم وقف قبالة حكمت ليقول بعد أن دمعت عيناه.
_ هل تقبل مسامحة أخيك بعد كل تلك السنوات؛ كل منا يحمل أخطاء ولكن قليل من يتقبل خطاؤه وأنا كنت واحد مما لا يقبل الخطأ أيٍ كان، أرجو عفوك و مسامحتي يا أخي.
ذهل الكل و لم يستطع أحد أن يتفوه بكلمة ،حتى حكمت للحظات لم يستطع استيعاب ما يسمع دمعت عيناه وبكى بشوق لأخيه ليضمه بعد سنين طوال ، تأثر الجميع لهذا الموقف وفرحوا لهم وتقبلوه بإحترام و سعادة ، اجتمع الشمل من جديد وأكتملت عائلة حكمت ليضمها حبٍ آخر.
كان يجلس العجوز محمود على إحدى المقاعد ينظر لهذا الجمع الرائع كم يفتقد دفء العائلة وحضن الابناء ، التفت نحو منصور الواقف قربه يراقب مثله أيضاً ، برقت عيناه لحظة ونطق قائلاً…
_ أنت أيه الشاب لقد رأيتك من قبل لكني لا أستطيع التذكر جيداً.
سكت لبرهة وبعدها قال بصوتاً سمعه الجميع ..
_ أنت أنت هو أنا متأكد …
نظر له منصور مستغرباً حديثه ماذا يقصد هذا العجوز؟! وماذا يريد بقوله أنت أنت هو ، و رأى الجميع ينظر نحوها ….لم يكمل فكرة ليقطعه العجوز يقول:
_ أيها السيد حكمت هذا الشاب الذي كان يراقب منزلك أنا متاكد لقد رأيته أكثر من مرة تذكرت هذا منذ رأيته قبل قليل
صدم حكمت من كلامه ، وصدمت ورد بما لم تتوقعه بعد كل تلك الأيام التي قضياها معاً ….
ظل منصور في هدوءه وبعد أن عم الصمت الجميع إبتسم وتقدم ناحية حكمت و ورد ليقول:
_ نعم أنا ؛ ورد هي السبب سيدي حكمت والآن أنا أطلب منك الزواج هل تقبلين ؟!
ذهلت ورد وإبتسامة خجولة زينت وجهها و نطقت:
_ نعم أقبل بك …
” قد لا تكون كل العلاقة جواهر براقة نشاهدها ولكن جوهر الأيام هو من يثبت لنا جوهر علاقتنا”
**** تمت****






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق