كتبت ملاك عاطف
هاهِيَ الشُّهورُ الإثنا عشَرَ قد مرت تِباعًا سريعةً على بعضٍ وبطيئةً على آخَرين، هاهِيَ توشِكُ أن تُطْبِقَ على ساعاتِها وتَنْجَلي؛ مُفْسِحةً لِعامٍ جديدٍ؛ كي يبدأ!
لكن ماذا سيبدأ؟!
هل ستكونُ سلسلةً جديدةً مِنَ المُعاناة؟ مطرقةً أُخرى مِنَ الخُذلان؟ قتلًا آخَرَ بِطلقاتِ الّتَفَرُّج؟ أم دَوّامةً صمتٍ أُخرى؟
على أبوابِ أعمارِنا تَقِفُ تَوَسُّلاتُنا، ومِنْ نوافِذِ أعقابِ تَتِمّةِ هذا الّشَهْرِ تُطِلُّ دعواتُنا بِرُؤوسِها وتنظُرُ دُموعُها المجروحةُ إلى السَّماءِ تُناجي مَلِكَها في جُنّةِ هذا الحُزْنِ العُضال، تحكي لهُ عن صَبيّةٍ ذابَتْ يَدُها في نارِ صاروخٍ، فَشَقَّتْ بصرخَتِها سماءَ الاستِغاثةِ أن لا تَبْتُروها، وتشكو لهُ حالَ أُخْرى فَتَقَتْ حَديدةٌ حَلْقَها؛ فما عادَتْ تقْدِرُ على الكَلامِ، وتبكي تحْتَ عَرْشِ حَضْرَتِهِ طِفْلًا شاهَدَ أُمَّهُ بِبَطْنِها المَفْقوءِ وَجَنينُها يَتَدَلّى مشنوقًا بِالحَبْلِ الّسُرّيِّ ويتأرجحُ على خَطِّ حياتِهِ اّلَتي انتهَتْ قبلَ أن تبدأ!
ماذا؟ اقشَعّرَتْ أحاسيسُك؟ تزَلْزَلَتْ أسماعُك؟ أم أنَّكَ قد أصبحْتَ على حاّفةِ الانْهِيار؟
ما بالُكَ تَماسَكْ قَليلًا؛ فَعَهْد قُطِعَتْ رِجْلُها بِسِكّينِ المَطْبَخِ وعُقِّمَ جرحها بسائِلِ الْجَلي ولم نرَها إلّا حامِدةً شاكِرة، وَجنى زُجَّ رأسُها تَحْتَ الأنقاضِ وتُرِكَ يتدحرَجُ كالكُرةِ بَيْنَ أيادي الكِلابِ الّضالّةِ وهِيَ في الجَّنةِ عُصفورةً مُسْتَبْشِرة، ودارين استَيْقَظَتْ على كابوسِ فَقْدٍ مَريرٍ لأُسْرَتِها وما زالَتْ تتكَلَّمُ لُغةَ الحُبِّ بِطَلاقة، بل لا تفْهَمُ غيرها، “بحبك يا خالو سلامة، اشتقتلك كتير يا خالو سلامة”.
جوعٌ لَدّاغٌ كالأفعى يبْتَلِعُ حيَواتِ الأطفالِ ويهرُسُها في جَوْفِهِ، ثُمَّ يُقَهْقِهُ في آذانِ أهليهِمُ المَقْهورين!
بَردٌ يَهْوي بأجْسادِ النّاسِ في قاعِ الارتِعاشِ، ويجعلُها مُنْكَمِشةً على نفسِها مُكَوّمةً كالخِرَقِ لا حَوْلَ لَها ولا قُوّة!
عطشٌ يُجْبِرُهُم على إحالةِ بُطونِهِم إلى جُحورٍ للمايكروباتِ والجَراثيم!
مطرٌ يخرمُ رِقّةَ جُلودِهِم ويُصَبُّ كالأنهارِ في خِيامِهِم، ثُمَّ حَّرٌ يسلقُ أبدانَهُمْ ويُقْحِمُهُم في رحلاتِ صَيْدِ شاقةٍ للأُكسجين!
ثُمَّ ماذا بعد؟
ثُمَّ عامٌ آخرُ يخطو إلَيْهِم؛ آمِلًا ألّا يتعَثَّرَ بِالجُثَثِ المُهانةِ على قوارِعِ الطُّرُقات، وأن لا يدوسَ على جَريحٍ لم تستَطِعْ طواقمُ الإسعافِ الوُصول إلَيْه، وأن لا يشْهَدَ يُتْمًا جَديدًا يَنْدَسُّ بَيْنَ زُملائِهِ في جَيْبِ المَجْهول، وأن لا يُهْدَمَ بَيْتٌ على رأْسِ رَجُلٍ؛ لأَنَّ صاروخًا سابِقًا غَيّبَ سمعَهُ ولم يُدْرِكْ نداءاتِ الإخلاء.
عامٌ آخَرُ يدخُلُ على اسْتِحياءٍ، لا يَعْرِفُ كيفَ السَّبيلُ إلى الخَلاصِ أو إلى الشِّفاءِ مِن طعناتِ الغَدْرِ والّتَكالُبِ الَّتي رَتَقَتْ جسمَ البَلَدِ؛ حَتّى صارَ كالمُنْخُلِ ولم يزْدَدْ إلّا إباءً، ولم يزدَدْ إلّا عِزًّا، ورَضِيَ أن يَنامَ على بِساطِ المَوْتِ، وأن يلْتَحِفَ القذائِفَ، وأن يأكُلَ الّشَظايا ويَشْرَبَ لَهيبَها ولم يَسْتَكِنْ ولَمْ يَلِنْ ولَمْ يهُنْ؛ لأجلِ أن يخْرُجَ مِنْها أبِيًّا مُحَرّرًا، ولِأجْلِ أنْ يُحْمَلَ على أكتافِ الحَقِّ، ويُزَفَّ على خُيولِ الاسْتِقْلال، ويرتَدي بَزّةَ شرفِهِ الأبَديّ.






المزيد
حين يصبح الرحيل راحةبقلم ابن الصعيد الهواري
خلود الأثر بقلم بثينة الصادق أحمد (عاصي)
كان الأمر أشبه باللعنة بقلم الكاتب هانى الميهى