مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ترياق النوم

Img 20241111 Wa0133

 

كتبت: هاجر حسن 

 

“وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتِ لَقَوْمِ يَسْمَعُونَ.”

 

تستمر الحياة بكل زحامها، تتداخل الأفكار ولا تهدأ. نركض هنا وهناك، تتشابه الأيام، نبتسم لهذا ونسلم على ذاك، نناقش ونحاور، نغضب ونهدأ، نأكل ونشرب، وكل لحظة تأخذنا في سعي مستمر. ومع كل هذا، هناك فاصل؛ لحظة غياب عن هذا الركض المتواصل. فلو استمررنا بلا توقف، أراهن أن أعمارنا ستنتهي وتتقلص. وكان الفاصل هو تلك النعمة الغامضة؛ سحرًا عجز العلم عن تفسيره، وهو : النوم. 

 

أن تغمض عينيك، وترخي جفنيك، ليرتاح جسدك من عناء الركض، ويصمت فمك عن كل تلك الإشارات بين الضحك والحزن. تشعر وكأنك نحلة صفراء تستريح على ورقة من شجرة الفل. تغفو في سبات عميق يغذيها بترياق النشاط لتعود دؤوبةً كما كانت. 

 

النوم؛ ذاك الشيء السحري الذي يسافر بنا عبر الأزمنة، يأخذنا إلى عوالم أخرى. بين الذهاب إلى المستقبل والعودة إلى الماضي، بين دروب الخيال، وتحقيق أمنيات، وسحر قد لا يفسره أحد. 

 

هو مهرب عندما تضيق بنا الحياة، وسجادة سحرية تحلق بنا بعيدًا عن الأحزان. هو حياة أخرى نعيشها في دروب من الخيال، ثم نعود نشيطين من جديد لمواجهة واقعنا. 

 

السبات كما قال الشيخ الشعراوي رحمه الله عنه: “خلق الله لك الطاقة ومولد الطاقة”. فما أعمق تفسيره؛ فحقًا الطاقة هي النشاط والسعي، ومولد تلك الطاقة هو النوم، الذي يُجدد طاقة الجسم للعمل. السبات هو منبع وترياق لصحة الكائنات. 

 

 

النوم، كما قيل في الأمثال، سلطان عنيد. لا يأتي باختيارنا له، بل هو من يختار الوقت الذي يريد. كمْ من شخص شرب الكافيين ليظل مستيقظًا، فيغلبه النوم. وكمْ من شخص تناول المهدئات لينعم بدقائق قليلة من الغفوة، فيعانده النوم ويرحل بعيدًا. كما قيل: “هو إن طلبك أراحك، وإن طلبته عنتك”.

 

هكذا هو، كالسفينة الفضائية، يأخذنا ليُفصلنا قليلًا عن عالمنا المرهق، ليمنحنا قسطًا من الراحة والسعادة، لنعود لمقاومة تقلبات الحياة. 

 

النوم هو نعمة إعجازية للتأمل؛ لوحة سحرية لا أمل من التفكر بها، كأنه ترياق ماء عذب يسقي أرواحنا وجسدنا بقوة خفية دون أن ندرك. أحيانًا أراه واحة سحرية تعيد توازن الحياة. 

فقد أثبت الدراسات العلمية أن النوم العميق هو مفتاح تجديد الحياة العقلية، كالعطر الذي ينعش الزهور بعد غروب الشمس. هو المرجع الذي يهدئ طوفان الأفكار ويعيد توازن النفس، ليقلل من سطوة الاكتئاب، لنقف من جديد في وجه أمواج الحياة. 

فهل تأملت يومًا في ترياق النوم، هذه النعمة السحرية؟ وما هي رؤيتك لها؟