مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين رقة الرومانسية وعمق الحزن، تختار الشاعرة المصرية منة الله عطية أن تجعل من الشعر مساحة صادقة للمشاعر، فتتنقل بين العامية والفصحى بحثًا عن الكلمات الأقرب إلى القلب.

حوار: ليمار وليد

 

بدأت رحلتها مع الكتابة منذ المرحلة الإعدادية، ومع الوقت أصبح الشعر بالنسبة إليها وسيلة للتعبير واكتشاف الذات، وتحويل التجارب والخيبات إلى كلمات قادرة على ملامسة الآخرين.

 

■ في البداية، عرفينا بنفسكِ، ومتى بدأت رحلتكِ مع الكتابة والشعر؟

• أنا منة الله عطية عطية حامد، عمري 19 عامًا، وشاعرة أكتب الشعر بالعامية والفصحى. بدأت رحلتي مع الكتابة مبكرًا، واكتشفت شغفي وموهبتي في الشعر منذ الصف الأول الإعدادي. بدأت بكتابة الشعر العامي، ومع الوقت والقراءة والإصرار على تطوير نفسي، بدأت أكتب بالفصحى إلى جانب العامية.

 

■ ما أبرز السمات التي تميز كتاباتكِ، وما المساحات التي تحبين التعبير عنها من خلال الشعر؟

• كتاباتي تتنقل بين طابعين أساسيين، هما الحزن والرومانسية. أحاول أن أقدم الحزن بعمقه وشفافيته، والرومانسية بدفئها وونسها. وبالنسبة لي، الشعر هو المساحة التي أعبّر من خلالها عن مشاعري، وأكتشف صوتي، وأوصل إحساسًا حقيقيًا للقارئ.

 

■ في بداياتكِ، هل وجدتِ دعمًا وتشجيعًا من المحيطين بكِ؟

• في بداياتي لم يكن هناك داعم أو مشجع لي، وكنت أعتمد على نفسي تمامًا، وأشق طريقي بمفردي لأثبت وجود قلمي وأصنع لنفسي مساحة أستحقها. ومع الوقت وتطور مسيرتي، أصبحت أمي وأخواتي هن الداعم والسند لي، ووجودهن أصبح مشجعًا ومطمئنًا جدًا.

 

■ مررتِ بتجربة صعبة بعد عدم تحقيق حلمكِ في دراسة طب الأسنان.. كيف أثرت هذه التجربة فيكِ، وما رسالتكِ لمن فقد حلمًا كان يتمناه؟

• كانت من أصعب المحطات في حياتي. عندما أُغلق في وجهي باب حلمي الأول في طب الأسنان، شعرت أن الدنيا توقفت وأن كل تعبي وسهري لسنوات ذهب هدرًا، وكان من السهل جدًا أن أستسلم للانكسار واليأس.

لكن إيماني بالله وبنفسي جعلني أرفض أن تكون هذه هي النهاية، وقررت أن أحوّل الفقد إلى بداية جديدة أعمل فيها على الموهبة التي زرعها الله بداخلي، وأبني لنفسي حلمًا أكبر وأجمل في عالم الشعر.

وأؤمن أن فقدان حلم لا يعني أن الحياة انتهت؛ فأحيانًا يغلق الله بابًا ليفتح لنا بابًا آخر، حتى لو لم نستطع رؤيته في البداية. المهم ألا نستسلم، وأن نتمسك بإيماننا بالله وبأنفسنا، ونكتشف الموهبة الموجودة بداخلنا ونبني عليها. ربما يكون ما نظنه نهاية هو في الحقيقة بداية لحلم أكبر وأجمل.

 

■ متى شعرتِ أن الشعر أصبح صوتكِ الذي لا يشبه أي صوت آخر؟

• شعرت بذلك حين تحولت الكتابة في داخلي من مجرد ملاذ آمن أهرب إليه في صغري، إلى مسار حياة وشغف حقيقي. بصمتي الحقيقية ولدت عندما كتبت بصدق بعيدًا عن المحاكاة، وحين رأيت القراء يجدون أنفسهم بين سطوري وكأنني أكتب صمتهم، أدركت أن حروفي أصبحت لها نبرة خاصة تشبه روحي، وأن صوتي لا يشبه أحدًا.

 

■ هل تكتبين ما تشعرين به، أم تكتشفين مشاعركِ من خلال الكتابة؟

• أبدأ غالبًا من شعور حقيقي يسكنني وأبحث له عن صياغة، لكن أثناء الكتابة تبدأ الحروف في استدراج مشاعري المستترة، فأكتشف أبعادًا وجراحًا لم أكن أدرك وجودها.

الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد تعبير عما نعرفه، بل هي مرآة أدبية تكشف لنا ما كنا نجهله عن أنفسنا. فأنا أكتب ما أشعر به، لكنني لا أفهم عمق هذا الشعور كاملًا إلا حين تكتمل القصيدة وأقرأها.

 

■ ما الذي تستطيع العامية قوله ولا تستطيع الفصحى قوله، والعكس؟ وهل تختارين لغة القصيدة مسبقًا؟

• العامية تستطيع أن تقول «الدفء العادي» الذي نعيشه في تفاصيل حياتنا اليومية؛ فهي لغة التنهيدة القريبة والهمس الدافئ والبساطة التي تكسر الحاجز بين الشاعر والقارئ.

أما الفصحى فتستطيع أن تمنح الشعور خلودًا وهيبة، فهي لغة المجاز المتسع وثقل الحزن النبيل والبلاغة التي تجعل من التجربة الفردية قضية إنسانية عامة.

ولا أتخذ قرارًا مسبقًا بشأن اللغة؛ فالإحساس بالنسبة لي هو الشاعر الأول، وهو الذي يختار الثوب الذي يليق به. بعض المشاعر تحتاج إلى رمز ومجاز واسع فتتجه تلقائيًا إلى الفصحى، بينما هناك مشاعر دافئة وعفوية لا تخرج إلا ببساطة العامية ودفئها.

العامية هي ونس اللحظة، والفصحى هي أفق الخلود.

 

■ الرومانسية والحزن حاضران في كتاباتكِ.. أيهما أكثر صدقًا معكِ؟ وهل تحتاج الشاعرة إلى الألم حتى تكتب نصًا صادقًا؟

• كلاهما صادق معي. الحزن فيه شفافية عالية، ويجردنا من الأقنعة ويجعلنا نرى أرواحنا على حقيقتها، بينما الرومانسية هي النور والونس الذي نعود به إلى الحياة بعد الخيبات. الحزن يرسم وجع الرحلة، والرومانسية هي الشغف الذي ننجو به.

أما الألم، فهو يترك أثرًا عميقًا بلا شك، لكنه ليس شرطًا أن تعيش الشاعرة كل تجربة بنفسها. الشاعرة الحقيقية تستطيع أن تمتلك شفافية تجعلها تشعر بوجع الآخرين وتتأثر بحكاياتهم، فتكتب عنها بصدق وكأن الجرح أصاب روحها هي.

 

■ ما الشعور الذي تجدين صعوبة في تحويله إلى كلمات؟ وهل حدث أن كتبتِ نصًا ثم اكتشفتِ أنه يحكي عنكِ أكثر مما توقعتِ؟

• أكثر شعور أجد صعوبة في تحويله إلى كلمات هو الخذلان الممزوج بالصمت؛ تلك اللحظات التي يكون فيها الوجع أكبر من أن تتسع له القوافي، وتصبح الكلمات أصغر من أن تصف حجم الصمت الساكن في الداخل.

وبالفعل، يحدث أحيانًا أن أختبئ خلف الرمز أو أحكي على لسان غيري حتى أخفي ضعفي، لكن الصدق دائمًا يظهر بين السطور. أكثر من مرة كتبت نصًا وأنا أعتقد أنني بعيدة عنه، ثم قرأته بعد فترة فاكتشفت أنني كشفت فيه أسراري وأحلامي وجوانب من داخلي بطريقة لم أتوقع أن أستطيع التعبير عنها بها.

 

■ إلى أي مدى تؤثر التجارب الشخصية في قصائدكِ؟ وهل تخافين أن تكشف القصيدة جزءًا منكِ تفضلين إخفاءه؟

• التجربة الشخصية هي النواة والروح لكل ما أكتب. حتى إن لم يكن النص توثيقًا حرفيًا لموقف بعينه، فإن نبرة الشجن ولمعة الأمل ولون الحبر كلها مستمدة من رحلتي ومن كل موقف صنع الشاعرة التي أنا عليها اليوم.

كنت أخاف سابقًا من أن تكشف القصيدة شيئًا عني، لكنني تعلمت أن قوة الكاتب تكمن في شجاعته وتجرده أمام الورقة. القارئ لا يتأثر بالنص المتأنق كذبًا، بل يلمس قلبه النص الذي يتنفس صدقًا وشفافية دون أقنعة.

 

■ كيف تعرفين أن القصيدة اكتملت ولا تحتاج إلى كلمة أخرى؟ وما أصعب ما تواجهينه عند كتابة قصيدة حب؟

• عندما أقرأ البيت الأخير وأشعر بتنهيدة رضا وصمت هادئ في داخلي، وكأن المعنى قال كل ما لديه. أي إضافة بعد هذه اللحظة تكون مجرد تزيين زائف يضعف روح القصيدة.

أما في قصيدة الحب، فأصعب شيء هو الهروب من النمطية؛ فقد كتب الشعراء كثيرًا عن اللقاء والاشتياق بالكلمات نفسها تقريبًا، لكن السحر يكمن في أن تعبّر عن المشاعر نفسها بلغة جديدة تشبهك أنت، وأن تلمس في الحب زاوية دافئة لم يصل إليها أحد قبلك.

 

■ هل تكتبين للقارئ الذي يشبهكِ، أم للقارئ الذي تبحثين عن الوصول إليه؟

• أكتب أولًا للقلب الذي يشبهني، لأن الصدق يخرج من الأعماق، وفي الوقت نفسه أتمنى أن يصل حرفي إلى القارئ الغريب الذي يبحث عن كلمة تعبّر عن وجعه المكتوم، ليجد في نصوصي ونسه ومرآته.

 

■ لو مُنحتِ قصيدة واحدة لتتركي بها أثرًا لا يُنسى، فعن أي شيء ستكتبينها؟

• ستكون عن النهوض من جديد ورفض الاستسلام، وعن تجربتي مع فقدان حلمي الأول في طب الأسنان.

عندما لم يتحقق هذا الحلم، لم أسمح للإحباط أن يكسر شغفي أو يوقف سعيي، بل التفت إلى الموهبة التي استودعها الله في داخلي منذ صغري، وقررت أن أطور أدواتي وقلمي وأصنع لنفسي مساحة أستحقها في عالم الشعر.

سأكتب هذه القصيدة لكل روح ظنت أن نهايتها كانت عند أول خيبة، لأخبرها أن ضياع حلم قديم قد يكون بداية لخلق حلم أجمل وأعظم.

 

■ بعيدًا عن الشاعرة منة الله.. ما الحكاية التي تتمنين أن تصل إليها كلماتكِ؟

• أتمنى أن تصل كلماتي إلى كل روح تعبت من العَثرة وظنت أن الدنيا توقفت عند أول باب أُغلق في وجهها.

بعيدًا عن ألقاب الشعر والكتابة، أنا إنسانة مررت بلحظات خيبة حقيقية. عندما لم يكتمل حلمي الأول في طب الأسنان، تألمت وخفت من الطرق المفتوحة أمامي، لكنني رفضت أن تكون تلك اللحظة نقطة النهاية أو أن أستسلم لليأس.

التفت إلى الموهبة والشغف اللذين زُرعا بداخلي منذ الصف الأول الإعدادي، وقررت أن أحوّل الموقف إلى بداية جديدة، وأن أعمل على قلمي وأبني لنفسي اسمًا ومساحة أفتخر بها.

لذلك أتمنى أن يصل حرفي إلى كل شخص يمر باللحظة نفسها؛ إلى من يشعر أن جهده ذهب هدرًا أو أن أحلامه تحطمت. أتمنى أن تكون قصائدي بمثابة يد دافئة تطبطب عليه وتقول له إن الخيبة ليست نهاية المطاف، وإن الله عندما يأخذ منا شيئًا كنا نتمناه، فقد يهيئ لنا مسارًا أوسع وأجمل مما كنا نتخيل.

ففي التجاوز وإعادة البناء قوة حقيقية تصنع منا نسخًا أفضل وأقوى.