مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين نبحث عمّن يؤكد مخاوفنا بقلم الكاتب هاني الميهي

حين نبحث عمّن يؤكد مخاوفنا
بقلم الكاتب هاني الميهي

الفصل الثامن
كل هذا يحدث في الخارج
لكن شيئًا منه يحدث فينا

 

رأيتُه يفتح هاتفه قبل أن يفتح عينيه.

لم يكن ينتظر رسالة.

كان ينتظر شيئًا آخر.

دليلًا.

ظل إصبعه يتحرك على الشاشة بلا هدف واضح. خبر، ثم تعليق، ثم صورة، ثم حساب شخص لا يعرفه، ثم مقطع قصير، ثم تعليق آخر.

كل شيء كان يحدث بسرعة.

إلا داخله.

كان يتوقف عند الأشياء التي تخيفه.

يمر على خبر عادي دون اهتمام.

لكن عندما يقرأ جملة تحمل احتمالًا سيئًا، يتوقف.

وعندما يرى قصة عن شخص خسر عمله، يقرأها كاملة.

وعندما يشاهد حديثًا عن فشل مشروع، يرسل الرابط إلى صديق.

وحين تقع أمامه قصة عن علاقة انتهت بالخيانة، يشعر بشيء يشبه الانتباه.

لم يكن يعرف لماذا.

وأنا كنت أعرف.

كان يبحث عن شيء يؤكد له أن العالم فعلًا كما يتخيله.

خطير.

متقلب.

غير مضمون.

وأن حذره المستمر ليس مبالغة.

وأن خوفه له ما يبرره.


الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة.

أحيانًا يبحث عن ما يوافق الصورة التي يحملها في رأسه.

إذا كان يعتقد أنه غير محبوب، سيتذكر الشخص الذي تجاهله، وينسى عشرة أشخاص اقتربوا منه.

إذا كان يعتقد أنه فاشل، سيتوقف طويلًا أمام خطأ واحد، وكأنه الدليل الذي كان ينتظره.

إذا كان يعتقد أن الناس يتخلون عنه، فسيفسر تأخر الرد على أنه بداية للابتعاد.

إذا كان يخشى الفشل، سيلاحظ قصص الذين فشلوا أكثر من قصص الذين نجحوا.

ليس لأنه يريد الألم.

بل لأنه يريد اليقين.

حتى لو كان يقينًا مؤلمًا.

فالغموض متعب.

أما أن تقول لنفسك:

«كنت أعرف.»

فهذا يمنحك شعورًا غريبًا بالسيطرة.


رأيتُ امرأة في علاقة لم تكن سعيدة.

كانت تعرف ذلك.

لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف به.

كلما حدث خلاف، قالت:

«هذه المرة مختلفة.»

ثم تعود.

بعد أيام يحدث خلاف آخر.

تفتح هاتفها.

تبحث عن مقالات عن العلاقات السامة.

تقرأ.

ثم تقول:

«كنت أعرف أنه لا يحبني.»

لكنها لم تكن تقرأ كي تفهم.

كانت تقرأ كي تحصل على حكم.

كانت تريد شخصًا، أو مقالًا، أو قصة، أو حتى تعليقًا من مجهول، يقول لها:

أنت محقة في خوفك.

والغريب أنها عندما وجدت ما تبحث عنه، لم تشعر بالراحة.

شعرت بالخوف أكثر.

لأن الدليل الذي كانت تريده جعل قرارها أصعب.


هكذا يعمل الخوف أحيانًا.

يجعلك تطلب دليلًا على شيء لا تريد حدوثه.

ثم عندما تجده، تستخدمه سببًا لمزيد من الخوف.

تراقب.

تفتش.

تسأل بطريقة غير مباشرة.

تختبر الآخرين.

تقرأ ما بين السطور.

وتبحث عن النبرة التي تغيرت.

ثم يأتي اليوم الذي لا تعود فيه تعيش العلاقة.

تصبح محققًا فيها.

ولا يعود الشخص أمامك إنسانًا له ظروفه ومزاجه وأيامه.

يصبح ملفًا.

كل كلمة فيه دليل.

كل صمت احتمال.

كل تأخر إشارة.

كل اختلاف تهديد.


وفي العمل، لا يختلف الأمر كثيرًا.

رأيت موظفًا مقتنعًا أن مديره لا يريده.

لم يكن لديه دليل حقيقي.

لكن الفكرة استقرت داخله.

في أحد الأيام مر المدير بجواره دون أن يسلم عليه.

كان المدير منشغلًا بمكالمة.

لكن الموظف لم ير المكالمة.

رأى التجاهل.

في اليوم التالي، لم يُدعَ إلى اجتماع صغير.

الاجتماع لم يكن متعلقًا بعمله أصلًا.

لكنه لم يعرف ذلك.

فقال:

«أنا قلت لكم.»

ثم بدأ يتصرف على أساس أن الإدارة تتخلص منه.

قلّ حماسه.

تجنب المشاركة.

أصبح دفاعيًا.

ارتكب أخطاء.

ثم بدأ المدير فعلًا يلاحظ تراجع أدائه.

وهنا حدث شيء مؤلم:

الخوف الذي لم يكن له دليل، ساهم في صناعة الدليل.


كنت أراقب المشهد من الداخل.

وأعرف أن الإنسان يستطيع أحيانًا أن يخلق البيئة التي تؤكد مخاوفه.

الخائف من الرفض قد يصبح شديد الحساسية.

والشديد الحساسية يصبح متوترًا.

والمتوتر يتصرف بطريقة تجعل الآخرين يبتعدون.

ثم يقول:

«ألم أقل إنهم لا يريدونني؟»

الخائف من الفشل قد يتردد طويلًا.

والتردد يفوّت الفرصة.

ثم يقول:

«كنت أعرف أنني لن أنجح.»

والذي يخشى الخيانة قد يراقب شريكه باستمرار.

فتختفي الثقة.

فتتوتر العلاقة.

ثم يقول:

«الثقة لا تصلح مع أحد.»

وكأن الحياة كانت تنتظر فقط أن تمنحه الدليل.


لكنني لا ألوم الإنسان.

فالخوف غالبًا لا يأتي وحده.

وراءه قصة قديمة.

تجربة.

خذلان.

طفولة.

علاقة انتهت بطريقة مؤلمة.

وظيفة فقدها فجأة.

قرار وثق فيه ثم دفع ثمنه.

أحيانًا يكون الإنسان حذرًا لأن شيئًا ما علّمه أن الحذر ضروري.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الحذر من وسيلة إلى نظارة يرى بها كل شيء.

فتصبح التجربة القديمة هي المترجم الرسمي للحاضر.

كلما حدث شيء جديد، قالت له:

«انتبه، هذا يشبه ما حدث من قبل.»

لكن التشابه ليس التطابق.

والإنسان الذي يخلط بينهما يعيش حاضرًا قديمًا.


رأيت رجلًا يتلقى اتصالًا من شخص يحبه.

لم يرد.

بعد دقائق اتصل مرة أخرى.

لا إجابة.

بدأت الأسئلة.

«أين هو؟»

«لماذا لا يرد؟»

«هل حدث شيء؟»

ثم:

«ربما لا يريد الحديث معي.»

وبعد قليل:

«ربما هناك شخص آخر.»

ثم:

«ربما كنت مخطئًا عندما وثقت به.»

كل هذا حدث دون معلومة جديدة.

معلومة واحدة فقط كانت موجودة:

لم يرد على الهاتف.

لكن النفس تستطيع أن تملأ الفراغات بسرعة مذهلة.

وحين تمتلئ الفراغات بالخوف، يصبح الواقع أقل أهمية من القصة.


لهذا ربما يحتاج الإنسان إلى عادة بسيطة، لكنها صعبة:

عندما يخاف…

يسأل نفسه:

ماذا أعرف فعلًا؟

ليس:

ماذا أشعر؟

ولا:

ماذا أتوقع؟

ولا:

ماذا حدث لي من قبل؟

بل:

ماذا أعرف؟

قد تكون الإجابة:

«لا أعرف.»

وهذه ليست إجابة ضعيفة.

بل ربما تكون أكثر إجابة صادقة في تلك اللحظة.

لا أعرف لماذا لم يرد.

لا أعرف ماذا سيحدث غدًا.

لا أعرف ماذا يفكر الآخر.

لا أعرف هل سأربح أم أخسر.

لا أعرف هل سيستمر الأمر أم ينتهي.

وحين تقول «لا أعرف»، فإنك تمنع عقلك من تحويل الاحتمال إلى حقيقة.


كان هذا أصعب درس تعلمه.

أن يعيش الإنسان أحيانًا دون أن يملك تفسيرًا.

أن يترك بعض الأبواب مغلقة.

بعض الرسائل بلا رد.

بعض الأحداث بلا معنى واضح.

بعض العلاقات في منطقة لا يمكن تسميتها.

بعض المستقبل في يد الله وحده.

فالإنسان يحب السيطرة.

حتى على الأشياء التي لا يستطيع السيطرة عليها.

ولذلك يملأ الفراغ بالتوقعات.

ثم يتعب من توقعاته.


في إحدى الليالي، جلست امرأة أمام شاشة هاتفها.

كانت تقرأ تعليقًا عن الزواج.

تعليق يقول إن معظم العلاقات تنتهي.

توقفت.

قرأته مرة أخرى.

ثم دخلت إلى التعليقات.

وجدت عشرات القصص.

كل واحدة أسوأ من الأخرى.

بعد نصف ساعة، كانت تشعر أن الزواج نفسه خطر.

مع أنها لم تكن متزوجة.

ضحكت حين لاحظت ذلك.

ثم أغلقت الهاتف.

وقالت:

«أنا خائفة من شيء لم يحدث.»

كانت تلك لحظة وعي نادرة.

لأنها أدركت أن العالم الرقمي لم يعرض لها الحياة.

عرض لها أجزاء من الحياة.

والأجزاء التي تثير الانتباه غالبًا هي الأكثر صخبًا.

لكن الإنسان عندما يظل طويلًا أمام الصخب، ينسى أن هناك ملايين الأشياء الهادئة التي لا تصل إلى شاشته.

بيوتًا مستقرة.

علاقات ناضجة.

مشروعات تنجح ببطء.

أشخاصًا يختلفون ويتصالحون.

أيامًا تمر دون كارثة.

حياة كاملة لا يكتب عنها أحد لأنها ببساطة…

تسير.


وهنا فهمت شيئًا عن الأخبار أيضًا.

الخبر لا يخبرك فقط بما حدث.

أحيانًا يحدد لك ما الذي تنظر إليه.

وحين تتكرر أمامك الخسارة، تبدأ في الشعور أن الخسارة هي القاعدة.

وحين تتكرر أمامك الخيانة، تبدأ في الشك في الوفاء.

وحين ترى الأزمات طوال الوقت، يصبح الاستقرار نفسه يبدو استثناءً.

ليس المطلوب أن تغلق عينيك عن العالم.

ولا أن تعيش في وهم جميل.

لكن الوعي يحتاج إلى ميزان.

أن تعرف ما يحدث، دون أن تسمح لكل ما يحدث أن يعيد تشكيل رؤيتك للحياة.

فالعالم ليس فقط ما يظهر على الشاشة.

والناس ليسوا فقط القصص التي انتشرت عنهم.

وحياتك ليست مجموع أسوأ الاحتمالات التي قرأتها.


أحيانًا، كنت أرى الإنسان يختار الأشخاص الذين يثبتون فكرته عن نفسه.

من يرى نفسه ضعيفًا قد يلتصق بمن يقرر عنه.

ومن يرى نفسه غير مهم قد يعتاد أن يكون مع من لا يعطيه اهتمامًا.

ومن يرى نفسه صعب الحب قد يفسر أقل قدر من الاهتمام على أنه كرم استثنائي.

ثم يقول:

«هذه هي الحياة.»

لا.

هذه ليست الحياة.

هذه هي الحياة كما أصبحت تراها بعد أن مرّت من خلال جرحك.

والجرح ليس عدسة صالحة لكل شيء.


في تلك اللحظة، عاد الرجل الأول إلى هاتفه.

فتح الرسالة التي كان ينتظرها.

جاء الرد.

لم يكن يحمل شيئًا من السيناريوهات التي عاشها في رأسه.

لا غضب.

لا رفض.

لا كارثة.

مجرد تأخر.

ضحك.

ضحكة قصيرة.

ثم وضع الهاتف على الطاولة.

ظل ساكتًا قليلًا.

كنت أراقبه.

كان من المفترض أن يشعر بالراحة.

لكنه شعر بشيء آخر.

بالإحراج.

لأنه أدرك كم عانى من شيء لم يحدث.

وهنا قلت له من الداخل:

لا تخجل.

أنت لم تكن ضعيفًا.

كنت خائفًا.

والخوف لا يحتاج إلى جلد.

يحتاج إلى فهم.


ربما نضج الإنسان لا يعني أنه لن يخاف مرة أخرى.

بل أن يعرف ماذا يفعل عندما يخاف.

هل يركض إلى أول تفسير؟

أم ينتظر؟

هل يفتش عن دليل؟

أم يسأل؟

هل يعاقب نفسه؟

أم يفهمها؟

هل يقرر تحت تأثير الاحتمال؟

أم يعطي الواقع فرصة كي يتحدث؟

هذه الأسئلة الصغيرة قد تغير مسار حياة كاملة.


وفي الصباح التالي، حدث شيء بسيط.

جاءه خبر جديد.

قرأه.

شعر بالقلق.

ثم وضع الهاتف جانبًا.

قال:

«سأرى ما يحدث أولًا.»

ابتسمت.

لم يعد الخوف غائبًا.

لكنه لم يعد يقود الكاميرا.

وهذا فرق كبير.

لأن النفس لا تحتاج أن تصبح بلا خوف.

تحتاج فقط ألا تجعل الخوف هو المخرج الوحيد الذي ترى من خلاله العالم.


أنا أعرف الإنسان من الداخل.

أعرف كيف يمكن لتجربة واحدة أن تتحول إلى قانون.

وكيف يمكن لخوف واحد أن يصبح نظام تشغيل.

وكيف يمكن لجرح قديم أن يفسر حاضرًا كاملًا.

لكنني أعرف أيضًا شيئًا آخر.

أن الإنسان يستطيع أن يتعلم من جديد.

أن ينظر إلى الشيء كما هو.

لا كما يخشاه.

أن يعطي الآخرين فرصة لأن يكونوا أنفسهم، لا نسخًا من الذين آذوه.

أن يعطي الحياة فرصة لأن تفاجئه بشيء جميل.

أن يترك بعض الأسئلة بلا إجابة حتى تأتي إجاباتها في وقتها.

وأن يفهم أن عدم معرفته بما سيحدث ليس دليلًا على أن شيئًا سيئًا سيحدث.


في آخر المشهد، أطفأ الرجل الهاتف.

خرج إلى الشرفة.

كان الشارع يتحرك تحته.

سيارات.

أصوات.

ناس ذاهبون إلى أعمالهم.

طفل يمسك يد أبيه.

امرأة تحمل حقيبة.

رجل يفتح متجره.

كل هؤلاء كانوا يعيشون شيئًا.

لكن أحدًا منهم لم يكن يعرف ما سيحدث بعد ساعة.

ومع ذلك…

كانوا يمشون.

تأملتُه.

كان يستطيع أن يفعل الشيء نفسه.

أن يمشي.

لا لأنه ضمن الطريق.

بل لأنه لا يحتاج إلى ضمان الطريق كي يبدأه.

وهذه ربما واحدة من أصعب صور الطمأنينة:

أن تعرف أن المستقبل مجهول، ثم تمضي إليه دون أن تطلب منه أن يكشف نفسه قبل أوانه.

رسالة الفصل

ليس كل خوف يحتاج إلى دليل، وليس كل احتمال يستحق أن يتحول إلى حقيقة في رأسك.

اسأل نفسك دائمًا: ماذا أعرف فعلًا؟

فبين ما حدث، وما تشعر به، وما تتوقعه، مساحة واسعة قد يعيش فيها الوهم.

ولا تسمح لتجربة قديمة أن تكتب تفسير كل تجربة جديدة.

فالحياة ليست مطالبة بأن تكرر ما حدث لك.

وربما كان أجمل ما يمكن أن يحدث لك يومًا…

أن تكتشف أن مخاوفك لم تكن نبوءات.

كانت فقط مخاوف.

تمهيد الفصل القادم

لكن هناك شيئًا أخطر من أن تبحث عن دليل يؤكد خوفك.

أن تتعود عليه.

أن يصبح القلق مألوفًا إلى درجة تشعر معها بالغرابة عندما تهدأ.

أن يصبح الإنسان محتاجًا إلى مشكلة كي يشعر أنه مستعد.

إلى ضغط كي يشعر أنه منتج.

إلى خطر كي يشعر أنه يقظ.

إلى شخص يطارده كي يشعر أنه محبوب.

إلى أزمة كي يشعر أنه حي.

ماذا يحدث حين يصبح القلق نفسه منطقة أمان؟

هناك تبدأ الكاميرا في الاقتراب أكثر…

من الخوف الذي نكرهه،

إلى الخوف الذي تعودنا عليه حتى أصبح جزءًا من شخصيتنا.