مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحساسية المفرطة بقلم ياسمين وحيد

الحساسية المفرطة!

الكاتبة: ياسمين وحيد

لطالما كانت حساسيتي المفرطة سلاحًا ذا حدّين، تارةً أراها أكثر الأشياء التي أحبها في نفسي، وتارةً أخرى أتمنى لو كان بإمكاني أن أنزعها عن قلبي كما يُنزع شيءٌ أثقل من احتماله…أنا ذلك الشخص الذي يشعر بكل شيء… وربما بأكثر مما ينبغي.

ألتقط التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد، وأحفظ نبرات الأصوات، وتغيّر الملامح، وطريقة اختيار الكلمات، وحتى الصمت حين يأتي في غير موضعه. أُرهق نفسي بمحاولة فهم ما وراء الأشياء، وأفتش طويلًا عن المعاني المختبئة بين السطور، حتى إنني أحيانًا أجد للحزن منفذًا لم يكن موجودًا من الأساس.
أكره أنني أنتبه لكل شيء. أكره أن عقلي لا يعرف كيف يتجاوز ما يراه غير منطقي، ولا كيف يترك شيئًا ناقصًا دون أن يحاول إتمامه، ولا كيف يتظاهر بأن أمرًا ما لم يؤلمني لمجرد أن الآخرين يرونه صغيرًا. وأكره قبل كل شيء أن هذه الأشياء كلها جزءٌ مني. ومع ذلك… أحبها أيضًا!

فحساسيتي التي أتعبتني كثيرًا، هي ذاتها التي تجعلني أشعر بمن أحب قبل أن يتحدث، وألاحظ حزنه خلف ابتسامته، وأتذكر تفاصيله الصغيرة التي ربما نسيها هو نفسه. وهي التي تجعلني أفرح لأجل من أحب وكأن فرحته تخصني، وأحزن لحزنه وكأن شيئًا مني قد انكسر معه.
لذلك لا أعرف… أهي نعمة أن أشعر بكل هذا، أم نقمة أن أشعر به إلى هذا الحد؟
ربما هي نعمة حين أكون سببًا في أن يشعر أحدهم بأنه مرئي، ومسموع، ومحبوب. ونقمة حين أحب شخصًا لا يعرف كيف يقرأ هذا القدر من الشعور، أو لا يفهم أن ما يراه بسيطًا قد يترك داخلي أثرًا لا يراه هو.
أعلم أن التعامل مع شخصٍ مفرط الحساسية ليس دائمًا سهلًا. ربما تراني أتألم لأنك اختزلت كلمة «حبيبتي» من بين سطور حديثك، أو لأن ساعتين مرّتا دون أن تطمئن عليّ، أو لأنك لم تنتبه إلى شيء صغير كنت أتمنى أن تلاحظه، أو لأنك نسيت لونًا أحبّه، أو تفصيلًا صغيرًا سبق أن أخبرتك به. قد تبدو لك هذه الأشياء عابرة، لا تستحق التوقف عندها، لكنها بالنسبة لمن يشعر أكثر من اللازم… ليست عابرة.
فهو لا يتألم من الكلمة وحدها، بل مما ظنه خلفها.
ولا يؤلمه غياب السؤال فقط، بل الإحساس الذي ولّده هذا الغياب في داخله.
ولا يحزنه نسيان التفاصيل لأنها تفاصيل، وإنما لأنها بالنسبة إليه كانت دليلًا صغيرًا على أنه مهم.
وقد يأتي وقت تشعر فيه أنك تريد الهجوم، أو الدفاع عن نفسك، أو إقناعه بأن الأمر لا يستحق كل هذا.
لكن جرّب شيئًا آخر. جرّب أن تقترب قبل أن تدافع.
أن تطمئن قبل أن تبرر. أن تقول كلمة طيبة قبل أن تشرح وجهة نظرك.
ستكتشف حينها أن الأمر الذي ظننته يحتاج إلى معركة، ربما كان يحتاج فقط إلى حنان.
فالشخص المفرط الحساسية، رغم كل ما قد يبدو عليه من تعقيد، ليس أصعب الأشخاص في إرضائهم كما تظن. هو فقط يحتاج أن يشعر بأنه مفهوم.
والمفارقة الجميلة أنه، رغم أن أشياء كثيرة تستطيع أن تُغصّ به، قد تكون كلمة واحدة منك كافية لأن تُمرّر كل شيء. فهو لا يبحث عن شخصٍ لا يخطئ أبدًا، ولا عن شخصٍ يتذكر كل التفاصيل كما يتذكرها هو. كل ما يريده أن يجد شخصًا، حين يخطئ في حقه، لا يجعله يشعر أن مشاعره عبء.
شخصًا يقول له ببساطة:
«أنا فاهمك… حتى لو مش شايف إن الموضوع كبير.»
وربما تكون تلك الجملة وحدها كافية لأن يعود قلبه إلى مكانه.