حوار: ولاء خلف
في هذا الحوار، نقترب من تجربتها مع الكتابة، ونستكشف رؤيتها للخيال والواقع، والفقد والذكريات، كما نتعرف على حلمها الأدبي وروايتها القادمة «الوريث المخفي».
■ كيف كانت بدايتك مع الكتابة؟ وكيف اكتشفتِ أن لديكِ موهبة؟
• بدأت الكتابة في مرحلة الثانوية. كنت شخصية كتومة ولا أحب أن تتراكم الأشياء التي تضايقني بداخلي، فوجدت في الكتابة مساحة أفرّغ فيها مشاعري وأفكاري. في البداية لم أكن أبحث عن موهبة، بل عن طريقة أعبّر بها عما لا أستطيع قوله، ومن هنا بدأت علاقتي بالقلم.
■ هل للواقع تأثير على الكاتب، أم أن الكاتب يبني عوالمه من الخيال؟
• أعتقد أن الواقع هو البذرة الأولى لأي خيال. فالكاتب قد يبني عالمًا لا يشبه عالمنا، لكنه في النهاية يستمد مشاعره وصراعاته من الواقع. لذلك لا أرى تعارضًا بينهما؛ فالخيال بالنسبة إليّ طريقة أخرى لإعادة اكتشاف الواقع والتعبير عن أشياء قد نعجز عن قولها بصورة مباشرة.
■ ما نصيحتكِ لمن يبدأ طريقه في الكتابة؟
• أن يؤمن بموهبته وألا يستعجل الوصول، وأن يقرأ كثيرًا ويجدد أفكاره ويجرب ألوانًا مختلفة من الكتابة، والأهم أن يبحث عن صوته الخاص؛ فالكاتب لا يتميز بما يكتب فقط، وإنما بالطريقة التي يختار أن يكتب بها.
■ هل هناك أفكار يجب على الكاتب أن يتجنب الكتابة عنها؟
• لا أؤمن بوجود فكرة لا يجب على الكاتب الاقتراب منها، لكن الحرية في الكتابة يصاحبها قدر من المسؤولية. يستطيع الكاتب أن يطرح أكثر الأفكار حساسية، بشرط أن يعرف لماذا يكتب عنها، وكيف يقدمها، وما الأثر الذي يريد أن يتركه لدى القارئ.
■ ما أكثر ما يشغلكِ في كتاباتك؟
• أكثر ما يشغلني هو الإنسان من الداخل؛ مشاعره وتناقضاته والأشياء التي يخفيها عن الآخرين. أحب أن أبحث في المناطق التي لا يراها أحد، وأن أكتشف ما الذي يمكن أن تفعله التجارب المختلفة بالإنسان من الداخل.
■ هل الخيال وحده كافٍ لإيصال فكرة الكاتب إلى القارئ؟
• الخيال يصنع العالم، لكنه وحده لا يكفي. ما يصل إلى القارئ هو صدق الشعور وعمق المعنى وقدرته على أن يرى شيئًا من نفسه بين السطور. لذلك أرى أن الخيال وسيلة، بينما الصدق هو ما يمنح الكتابة أثرها.
■ هل تراودك أحيانًا أفكار تترددين في الكتابة عنها؟
• أحيانًا تراودني أفكار أتردد في الاقتراب منها لأنها تلامس مشاعر وأسئلة حساسة، لكنني لا أفضل الهروب منها، بل أنتظر حتى أجد الطريقة المناسبة لكتابتها، بحيث أعبّر عن الفكرة بصدق وفي الوقت نفسه تعبّر عني وعن رؤيتي لها.
■ هل تأثرتِ بالكتّاب الذين تقرئين لهم؟
• بالتأكيد، وكان لدوستويفسكي وكافكا، خاصة رواية «المسخ»، أثر واضح في رؤيتي للكتابة. وجدت في دوستويفسكي عمقًا في تناول النفس البشرية، وفي كافكا طريقة مختلفة للنظر إلى الإنسان والمجتمع. لكنني لا أرى التأثر تقليدًا؛ فأنا أحب التميز وأحرص دائمًا على أن يكون لي أسلوبي الخاص وبصمتي التي تعبّر عني.
■ في خاطرتكِ «الفقد الذي لم يُشيَّع»، كيف ترين الفقد؟
• أرى أن الفقد ليس لحظة واحدة تنتهي بالغياب، وإنما له صور ومراحل متعددة. فنحن لا نفقد الأشخاص فقط؛ قد نفقد شخصًا أو حلمًا أو حتى نسخة قديمة من أنفسنا. وربما أصعب أنواع الفقد هو ما لا يجد وداعًا واضحًا، فيظل عالقًا بداخلنا وكأنه لم يُشيَّع بعد.
■ في «أطياف ديسمبر» تناولتِ ارتباط المشاعر بالشهور. هل تؤمنين بأن لكل شهر حزنًا أو حالة خاصة؟
• لا أعتقد أن للشهور مشاعر خاصة بها بقدر ما أعتقد أن الإنسان يمنحها جزءًا من مشاعره وذكرياته. قد يصبح شهر ما حزينًا لشخص لأنه ارتبط لديه بذكرى معينة، بينما يكون الشهر نفسه بداية سعيدة لشخص آخر. لذلك فالحزن لا يسكن في ديسمبر أو نوفمبر أو غيرهما؛ وإنما تسكن الذكريات فينا، ثم نسقطها على الوقت حتى يبدو وكأن للأشهر أرواحًا ومشاعر خاصة بها.
■ كيف أثرت فيكِ تجربة المشاركة في الكتب متعددة الكُتّاب؟
• المشاركة في عمل يجمع أكثر من كاتب تمنحني شعورًا مختلفًا؛ لأنني لا أكتب داخل عالمي وحدي، وإنما أصبح جزءًا من تجربة أكبر تضم أصواتًا وأساليب ورؤى مختلفة. جمال التجربة أن الكتاب الواحد يمكن أن يحمل أكثر من روح، وأن الفكرة نفسها قد تتخذ أشكالًا مختلفة باختلاف أصحابها، وكانت فرصة لأرى كيف يمكن لصوتي الخاص أن يكون جزءًا من عمل جماعي دون أن يفقد هويته.
■ ما الحلم الذي تسعين إلى تحقيقه؟
• أسعى إلى أن تظل كتابتي حقيقية في مشاعرها، وأن يكون لكل عمل أكتبه شيء مني، لا مجرد كلمات مرتبة على الورق. أحلم بأن يكون لدي عدد من الأعمال التي تحمل بصمتي، وأن تصل كتاباتي يومًا إلى خارج مصر وتُترجم إلى لغات أخرى.
لا أبحث عن الانتشار لمجرد الانتشار؛ ما أتمناه حقًا أن تصل مشاعري وأفكاري إلى قارئ بعيد، ربما لا أعرفه، لكنه يجد في كلماتي شيئًا يشبهه. وأؤمن أنني سأصل إلى ذلك يومًا.
■ هل لديكِ عمل أدبي قادم؟
• نعم، أعمل حاليًا على رواية «الوريث المخفي»، لكنني لا أستطيع تحديد موعد صدورها حتى الآن. أكتبها على مهل، لأنني أحب أن أتخيل كل حدث فيها قبل أن أضعه على الورق؛ أعيش المشهد في خيالي أولًا وأفكر في تفاصيله، ثم أكتبه عندما أشعر أنه أصبح جاهزًا.
لذلك لا أحب أن أضع نفسي تحت ضغط الوقت أثناء الكتابة، وأفضّل أن أمنح الحكاية الوقت الذي تحتاج إليه حتى تخرج بالصورة التي أريدها، لا بالصورة التي يفرضها الاستعجال.
■ ما الرسالة التي تودين إيصالها إلى القراء من خلال كتاباتك؟
• أريد أن يجد القارئ في كتاباتي شيئًا يشبهه؛ شعورًا لم يستطع منحه اسمًا، أو سؤالًا كان يخشى طرحه. أتمنى أن تمنحه كتاباتي إحساسًا بأنه ليس وحده، وأن يجد بين السطور صوتًا يقول له: أنا أفهم ما تشعر به.
وهكذا تظل الكتابة عند ملك نصار أكثر من مجرد كلمات على الورق؛ فهي مساحة للمشاعر، وصوت لما نعجز عن قوله، ومحاولة لأن يجد كل إنسان شيئًا يشبهه بين السطور. وبين حلم تسعى إليه ورواية جديدة تخط حكايتها، تواصل ملك طريقها مؤمنة بأن لكل كلمة أثرًا، ولكل حكاية وقتها، وأن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الكاتب هو أن يجد قارئًا يرى نفسه في كلماته.






المزيد
من منشور على فيسبوك إلى كتاب بين يديك، استطاعت الكاتبة المصرية الشابة آيه طه أن تصنع لنفسها حضورًا في الساحة الأدبية، وأن تنتقل بتجربتها من منصات التواصل الاجتماعي إلى الإصدارات الورقية والمشاركة في معارض الكتاب، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض ساقية الصاوي للكتاب.
بين رقة الرومانسية وعمق الحزن، تختار الشاعرة المصرية منة الله عطية أن تجعل من الشعر مساحة صادقة للمشاعر، فتتنقل بين العامية والفصحى بحثًا عن الكلمات الأقرب إلى القلب.
في عالمٍ تتزايد فيه النزاعات والأزمات، يبقى السلام أكثر من مجرد غياب للحرب؛ فهو مشروع إنساني يقوم على الحوار، والعدالة، واحترام كرامة الإنسان، وبناء مجتمعات قادرة على التعايش رغم اختلافاتها.