حوار: ليمار وليد
وفي هذا الحوار الخاص، تستضيف مجلة إيفرست الأدبية السفير يحيى محمد صغير، سفير السلام الدولي ورئيس أكاديمية الأمم الدولية للسلام وحقوق الإنسان، للحديث عن رؤيته للسلام، وتجربته في العمل الإنساني والدبلوماسي، ودور الشباب والمؤسسات والإعلام والثقافة في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا.
نفتح معه مساحة للحوار حول أبرز التحديات التي تواجه جهود السلام اليوم، وكيف يمكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى الوقاية منها، وما الذي يحتاج إليه الشباب لصناعة تأثير حقيقي ومستدام.
⬛ في البداية، كيف تقدمون أنفسكم للقارئ، وما أبرز المحطات التي شكّلت مسيرتكم في مجال السلام والعمل الدولي؟
• أقدم نفسي كسفير للسلام والعمل الإنساني، وقد نذرت مسيرتي المهنية والشخصية لمد جسور الحوار بين الثقافات المختلفة، إيمانًا مني بأن الدبلوماسية الشعبية هي خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات.
وقد شكّلت محطات الإشراف على برامج الإغاثة، وتنمية المجتمعات المتضررة من النزاعات، وتمثيل الهيئات الدولية في مؤتمرات الحوار الحضاري، ركائز أساسية في هذه المسيرة.
⬛ ما الذي دفعكم إلى اختيار طريق السلام والعمل على نشر ثقافة التعايش والحوار؟ وكيف تنظرون إلى مفهوم السلام في عالم يشهد العديد من النزاعات؟
• الدافع الشخصي انطلق من معايشة الآثار المدمرة للنزاعات على الإنسان والبنى التحتية، ورؤية كيف يمكن للجهل بالآخر أن يهدم حضارات كاملة. ومن هنا ترسخت لديّ قناعة بأن وقاية المجتمعات من خلال نشر ثقافة التعايش أقل كلفة بكثير من معالجة آثار الحروب بعد وقوعها.
والسلام بالنسبة لي ليس مجرد غياب مؤقت للحروب أو الصمت القسري للمدافع، بل هو مفهوم إيجابي وديناميكي يتضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وصون كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، وبناء بيئة مستدامة من الأمان والتنمية تضمن جودة الحياة للأجيال القادمة.
⬛ في ظل النزاعات والأزمات التي يشهدها العالم، ما أبرز التحديات التي تواجه جهود السلام اليوم؟ وما الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات والمنظمات الدولية في مواجهتها؟
• من أبرز التحديات المعاصرة تنامي خطاب الكراهية والشعبوية عبر الفضاء الرقمي، واتساع فجوة عدم المساواة الاقتصادية بين الدول، إضافة إلى تراجع ثقة المجتمعات في كفاءة وحيادية بعض آليات المنظومة الدولية.
وهنا يجب على المؤسسات والمنظمات الدولية أن تنتقل من مربع «إدارة الأزمات» وردود الفعل المؤقتة إلى مربع «الوقاية الاستباقية»، من خلال دعم الاستقرار المؤسسي والقانوني للدول الهشة، ورعاية برامج العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية الشاملة.
⬛ كيف يمكن للشباب أن يتحولوا من مجرد مشاركين في فعاليات السلام إلى قوة حقيقية وفاعلة في صناعة القرار والتغيير؟
• صناعة السلام الحقيقية تتحول من المشاركة الرمزية إلى الفعل الحقيقي عندما يتم دمج الشباب فعليًا في غرف صناعة القرار وصياغة المبادرات المجتمعية، وتمويل مشروعاتهم الرائدة في مناطق التماس والنزاع، وتزويدهم بالأدوات القانونية والدبلوماسية التي تساعدهم على تنفيذ برامج السلم الأهلي.
الشباب ليسوا مجرد طاقة مستقبلية، بل قوة حاضرة يجب أن يكون لها دور حقيقي في صناعة القرار وبناء المجتمعات.
⬛ ماذا عن المبادرات الشبابية؟ ما الذي يجعل المبادرة قادرة على إحداث تأثير حقيقي ومستدام، وليس مجرد نشاط مؤقت؟
• المبادرة الناجحة هي التي لا تنتهي بانتهاء فعاليتها، بل تمتلك رؤية استراتيجية واضحة، وأهدافًا قابلة للقياس على المدى الطويل، ومرونة هيكلية تعتمد على القيادات التعاقبية، مع ارتباط وثيق بالاحتياجات الحقيقية والميدانية للمجتمع المستهدف.
فالاستدامة هي المعيار الحقيقي لنجاح أي مبادرة، وليس مجرد حجم الحضور أو صدى الفعالية وقت تنفيذها.
⬛ بحكم خبرتكم، هل يمكن للإعلام والثقافة أن يكونا أدوات حقيقية لصناعة السلام؟ وكيف يمكن توظيفهما بصورة إيجابية؟
• بالتأكيد، فالإعلام والثقافة هما من أقوى أدوات القوة الناعمة وأكثرها تأثيرًا.
ويتحقق توظيفهما الإيجابي من خلال إنتاج محتوى إعلامي يفكك الصور النمطية ويبرز نقاط التلاقي الإنساني، إلى جانب دعم الفنون والآداب المشتركة التي تعزز قيم التسامح وقبول الاختلاف.
الكلمة والصورة والعمل الفني قادرة على الوصول إلى الإنسان بطريقة قد تعجز عنها الخطابات السياسية، ولذلك فإن مسؤولية الإعلام والثقافة في نشر السلام كبيرة.
⬛ ما النصيحة التي تقدمونها للشباب المهتمين بالعمل الدبلوماسي والإنساني والسلام الدولي، ويرغبون في بناء مسيرة حقيقية في هذا المجال؟
• أقول لهم إن الدبلوماسية والعمل الإنساني ليسا مجرد منصب أو بروتوكول، بل هما علم وشغف.
تسلحوا بالمعرفة المستمرة، وتعلموا لغات الآخرين وثقافاتهم، واعلموا أن المصداقية والصبر هما رأسمالكم الحقيقي.
لا يكفي أن ترغب في خدمة السلام، بل يجب أن تمتلك المعرفة والوعي والقدرة على التواصل مع المختلف، وأن تعمل باستمرار على تطوير أدواتك وقدراتك.
⬛ وفي ختام هذا الحوار، لو أُتيح لكم توجيه رسالة واحدة إلى شباب العالم، ورسالة أخرى إلى صُنّاع القرار، فماذا تقولون؟
• إلى شباب العالم أقول: أنتم لستم قادة الغد فحسب، بل أنتم صناع الحاضر. لا تنتظروا من يمنحكم المساحة، بل انتزعوها بمبادراتكم ووعيكم.
وإلى صُنّاع القرار أقول: إن الاستثمار في بناء عقول الشباب وتحصينهم بثقافة السلام هو أجدى وأبقى للاستقرار الدولي من سباقات التسلح.
وفي ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى السفير يحيى محمد صغير على مشاركته وإثرائه لهذا اللقاء برؤيته حول السلام والعمل الإنساني، وعلى ما طرحه من أفكار تؤكد أن بناء السلام لا يبدأ فقط من الاتفاقيات والمؤسسات، وإنما يبدأ أيضًا من وعي الإنسان وقدرته على تقبل الآخر والحوار معه.
ويبقى الشباب، كما أكد السفير، جزءًا أساسيًا من صناعة الحاضر، فيما تظل ثقافة السلام والاستثمار في الإنسان من أهم الأدوات لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.






المزيد
في عالمٍ تتحول فيه الكلمات من مجرد حروف إلى رسائل قادرة على ملامسة القلوب وتغيير الأفكار، تبرز تجربة الكاتبة المصرية شيماء طارق، التي بدأت رحلتها بحب الحكايات وإيمانها بقدرة الكلمة على ترك أثر حقيقي
في عالم الأدب، حيث تتقاطع الأفكار وتتولد الحكايات، تبرز الكاتبة إيمان أحمد | سِحر بصوت روائي يحمل ملامحه الخاصة، مقدمةً تجربة تمزج بين الخيال والواقع، وتبحث من خلال الكتابة عن مساحات جديدة للحكاية والتعبير
سناء منير، كاتبة مصرية حاصلة على ليسانس الحقوق، بدأت رحلتها مع الكتابة منذ المرحلة الثانوية، حين وجدت في القلم مساحة للتعبير عن مشاعرها وأفكارها التي لم تكن تجد سهولة في البوح بها. أصدرت روايتي «لكنه مضى» و«تاموريا.. أسطورة العابر»، وخاضت من خلالهما تجربتين مختلفتين في السرد والتصنيف، كما تُوِّجت بلقب القمة في مجلة إيفرست الأدبية.