مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

زهرة الضريح

كتبت عبير إبراهيم:

في غرفةِ زياراتٍ ضيقةٍ داخل السجن الإداري، يغشاها السواد ولا يُبدد ظلمتها سوى ضوءٍ واهنٍ لمصباحٍ يتدلى من سقفٍ متآكل، جلست “صاحبة الثوب الأحمر” القاني كجمرةٍ تتوهج وسط رمادٍ خانق، عيناها غائرتان محاطتان بهالةٍ رمادية من السهر والدموع، تُناظر المحامية المنتدبة من المحكمة لتمثيلها في آخر مراحل التقاضي، بعد أن يتمها أهلها أحياءً وتركوها لمصيرها ورفضوا توكيل من يدافع عنها، كانت المحامية تترقبُ بأسىً ودقة تدفق كلماتها لعلها تظفر بين ركام الفجيعة بثغرةٍ تدرأ بها حبل الشنق، عدلت السجينة غطاء رأسها بيدٍ مرتعشة وقالت بصوتٍ متهدج:
_لا أعلم من أين أبدأ… أمن طفولتي التي لا يليق بها أن تُسمى طفولة؟ أم من شبابي الذي سُلِب مني تحت وطأة استبدادهم وسياط قهرهم وظلمهم؟
ساد الصمت برهة، ثم همست الأخرى تشجعها على الاسترسال وهي تُصغي بترقب:
_من أي موضعٍ تُريدين، المهم أن تتحدثي لأفهم ما حدث.
جرت على طول عمودها الفقري قشعريرة باردة، وزفرت زفرةً طويلة تطرد من صدرها ركامًا متحجرًا، ثم بدأت تروي قصتها وعيناها معلقتان في فراغٍ قاتم:
_ طفولتي كانت جرحًا مفتوحًا… كنتُ منذ نعومة أظافري أذوق قسوة والدي، لم يحتمل عقلي الصغير تلك الشدة، فكنتُ أُحدث ذاتي بأنني لستُ ابنتهما بكل تأكيد، أو أنني جئتُ إلى الدنيا مقترنةً بذكرى حزينة تؤلمهما فينتقمان مني لأني أُذكرهما بها، كبرتُ وأنا مثقلةٌ بالأسئلة عاجزةٌ عن الفهم مشوهةُ الإحساس بالانتماء إليهما.
سكتت هنيهة ثم تابعت بصوتٍ متهدج:
_ وحين بلغتُ الرابعة عشرة كان يفترض أن تبدأ حياتي، فإذا بها تُسلب من بين يدي لأصبح كعروس “الماريونيت” يحركانها بأطراف أصابعهما كيفما يشاءان، رزقني الله مسحةً من الجمال فجعل الخُطاب يطرقون بابنا منذ صغري، لكن أعين والدي لم تكن تنظر إلى طفولتي، بل إلى المال ورغد الحياة كنتُ أشعر أنني سلعةٌ تُباع وتُشترى، وعبءٌ ثقيل يريدان التخلص منه سريعًا، لم يلتفتا إلى أحلامي الصغيرة ولا إلى شغفي بالدراسة التي لم أكلفهما يومًا عناء مصروفاتها، بل كنتُ أكتفي بالقليل وأجتهد ولا إلى قلبي الذي كان يتوق إلى حياةٍ طبيعية كبنات عمري.
تبللت وجنتاها بالدموع، فمسحتها بظاهر كفها وهي تواصل:
_كان حلمي بسيط فقط أن أُكمل تعليمي الثانوي وألتحق بالجامعة، لكن قبل أن يتحقق حلمٌ كهذا -وهو أبسط حقوق أي فتاة- جاء ذاك الذي ارتضوا حسَبه وماله، جرت الخطبة دون أن أراه أو أسمع صوته، دون حتى نظرةٍ عابرة مما شرعه الله، بكيتُ لأمي ورجوتها وأنا ابنة خمس عشرة سنة:
_أمي… أنا لا أعرفه أخاف ألا أتقبله لا أريد هذه الخطبة، أريد أن أبقى هنا مهما كانت الظروف وأن أكمل دراستي.
فقالت بفتور وهي تخشى أن يُفتضح أمرها أمام الضيوف الذين اجتمعوا في البيت:
_لا تقلقي يا ابنتي الأمر بيدكِ، تعرفي عليه وإن لم ترغبي فيه فستُفسخ الخطبة هذه حياتكِ أنتِ.
قلتُ لها من بين شهقاتي:
_لا يا أمي لا أريده… أرجوكِ أوقفي كل شيء أنا ابنتكِ.
لكنها انتفضت بعصبيةٍ قاسية قائلة بغضبٍ جامح:
_أنتِ لم تُسعديني يومًا، ودائمًا ما كنتِ سببًا لأحزاني.
صرختُ في وجهها بنبرةٍ عالية والدموع تغمر وجنتي:
_وماذا عن سعادتي؟! أما كان لها مكانٌ عندكِ يومًا يا أمي؟
لم تجبني، بل أمرتني تقول بغلظة:
_استعدي لاستقبال الضيوف وإلا جعلهم والدكِ يقرؤون الفاتحة على روحكِ بدلًا من قراءتها لخطبتكِ… أتفهمين.
انهرتُ بضعف دافنه وجهي في طربة كفي أبكي قهرًا وذلاً وهوانًا على والدي، وهكذا تم كل شيء كما أرادا واكتشفتُ أنها لم تكن حياتي يومًا بل حياتهما، فهما من أنجباني وتفضلا علي بها وأصبحا بذلك لهما كامل الحق في تقرير مصيري دون أن أُبدي أي اعتراض، وإلا أكون قد وقعتُ في إثم عقوق الوالدين.
توقفت لحظة تُهدئ ارتجافة صوتها، ثم استرسلت:
_مضت الأيام ثقيلةً كالسلاسل تلتف حول روحي وتقيدها، حاولتُ مرارًا أن أفسخ الخطبة لكن لم يكن نصيبي سوى الضرب والسباب والتهديد بقطع دراستي، قال لي أبي ذات مرة بنبرةٍ صلبة لا تعرف الرحمة “لقد وضعتُ يدي في أيديهم وقرأتُ الفاتحة، ولن تُنزع إلا بموتكِ”.
مضت السنوات وأنا خطيبة لرجلٍ لم أره إلا مرةً واحدة جاء فيها ليعقدني إلى جواره ببضع غراماتٍ من الذهب، حاولتُ أن أتقبله وأن أجبر قلبي على حبه… لكن نفسي أبت، كرهتُ ضعفه كرهتُ مقارناته الجارحة وكرهتُ تحقيره الدائم لي، كم ليلةً غفوتُ فيها ودموعي تبلل وسادتي وغصة القهر تخنقني.
ارتجف جسدها وهي تتابع:
_بلغ اليأس بي أن فكرتُ في إنهاء حياتي، لكنني تراجعتُ وصرختُ في وجههم لا أريد الزواج، لكن صرخاتي ضاعت تحت وطأة قسوتهم، تحدثتُ إليه بالهاتف أستجديه أن يتركني، فقال ببرودٍ قاسٍ “موافقتكِ لا تهم المهم أنني أريدكِ وسأتزوجكِ رغمًا عنكِ”.
كرهتُه يومها كرهًا لم أكره به بشرًا من قبل، لكن رحمة الله أنقذتني وفسخ أبي الخطبة بسبب خلافات في الأمور المادية، شعرتُ وكأن حكم إعدامٍ كاد أن يُنفذ بحقي ثم أُوقف قبل أن تُزهق روحي.
أغمضت عينيها لحظة ثم قالت بنبرةٍ تملؤها الحسرة:
_لكن لم يطل الأمان… مرت الأيام ووضع الله في طريقي شابًا أحببته بصدق وأحبني، وكان أول ما قاله لي “أريد الزواج منكِ”، خفتُ وارتجفتُ وأخبرته أن أبي لن يقبل، وأنه قد يقتلني لو علم بأمره وعندما تقدم ودلف البيت من بابه الواسع أبي لم يسمع منه، ولم ينصت لي حين صارحتُهم برغبتي وقبولي، بل انهالت يده تلطم وجهي بقوة ليرتطم رأسي بالحائط وتسيل الدماء من جبيني، وقال بعنف “لن تذهبي إلى الجامعة بعد اليوم، وسأُلقي بكِ لأول كلبٍ يطرق بابي، لكن لن تتزوجيه … أتفهمين؟!” أحرق كتبي… أصلَى النيران لتلتهم أحلامي أمام عيني وأنا عاجزة.
ارتجفت شفتاها وهي تواصل:
_بعدها بأيام اقتحم أبي غرفتي حاملًا سكينًا، ووجهه يشتعل غضبًا قبض على شعري بعنف بين كفه وقال وهو يزمجر: “سأقتلكِ بيدي ولن تتزوجي هذا الشحاذ”.
صرختُ برعب: “أبي… ماذا ستفعل؟! لمَ السكين؟!”.
أعمى الغضب عينيه ويصم أذنيه وشعرتُ أن نهايتي قد بدأت أول حروفها تُكتب في تلك اللحظة، لولا صوت أمي الذي صدح عاليًا من خلف الباب يُذكره من خلف الباب الموصد بأحكام، ما سيكون مصيره لو فعلها ظلت تصرخ بتلك الكلمات حتى هدأ وتراجع، أطلق شعري لأسقط على الأرض فلم تعد قدماي تقويان على حملي، ورحتُ أتراجع للخلف برعبٍ وعبراتي تنهمر، خرج وهو يرمقني بنظراتٍ حارقة أشعلت نيران الخوف لتنهش قلبي بوحشية، وتركني خلفه منكمشةً على ذاتي في ركن الغرفة أرتجف كعصفورٍ مبتل، كنتُ أنتظر أمي أن تأتي إلي كنتُ بحاجةٍ للاختباء داخل صدرها… انتظرتُ طويلًا لكنها لم تأتِ لم تهتم بما أشعر ولا بحالتي، لن أنسى تلك الليلة ولا السكين وهي بين يديه تتحرك أمامي وأنا أتخيل اللحظة التي ستستقر فيها بين أحشائي، لن أستطيع -مهما دارت الأيام ومرت السنين-أن أمحو من ذاكرتي صورتي وأنا أنتفض في فراشي وأبكي واضعةً كفي فوق فمي كي لا يسمع شهقاتي أحد.
تجمدت الدموع على وجنتيها، وأكملت بصوتٍ مبحوح:
_لم تمضِ أيامٌ حتى أخبرني أبي أنه قد قرأ فاتحتي على رجلٍ غريب لا أعرفه وأن الزواج قريب، لم أعترض… لم يكن بوسعي أن أعترض، تم الزواج سريعًا وكأنهم أرادوا التخلص مني بأي ثمن، انتقلتُ إلى بيتٍ جديد لكنه لم يكن بيت زوجية، بل سجنًا آخر وسجانًا تغيرت هويته ولقبه من أب إلى زوج.
أنقضت الفتاة حديثها ومسحت عبراتها بصمت، ثم أخرجت من بين طيات ملابسها رسالةً مغلقة كُتِب عليها من الخارج “إلى أبي”، تناولتها السيدة الجالسة أمامها والدموع تغرق وجهها، قلبتها بين كفيها ثم فتحت المظروف لتخرج الرسالة، وراحت تقرؤها بصوتٍ مسموع يربكه البكاء:
“أبي…
يا من كان يجب أن تكون الملاذ والسند كيف تحولت إلى منبع ألمي؟ كيف سلمتني بيديك إلى رجلٍ لم يختره قلبي ولا اطمأنت له روحي؟ رجلٍ خشن العيش شديد الطباع.
ما زلتُ أراك كل ليلةٍ في مخيلتي تجلس في صالة البيت بصلابتك المعهودة، تُملي قراراتك بصرامةٍ لا تقبل النقاش، وتفرض وصايتك علي كأنني قطعة أثاث تُحركها من مكانٍ إلى آخر كيفما تريد.
يوم أخبرتني بزواجي منه كنتُ أقف كالصماء لا أسمع إلا صدى صوتك يدوي في رأسي ” ستتزوجينه إنه الرجل المناسب ولن أسمح بكلمة اعتراض” يومها سقطتُ من الداخل وعلمتُ أنني سجينةُ حُكمٍ لا يُستأنف، وأنني لم أعد أملك من أمري شيئًا.
ارتديتُ فستان الزفاف وقلبي معقودٌ بالخوف مشيتُ على سجاد القاعة كمن يسير إلى مقصلته، والناس من حولي يبتسمون ويُباركون بينما أنا أُشيع نفسي إلى غربةٍ لا مفر منها، يومها كنتُ أبحث بين الوجوه عن منقذ عن عينٍ ترى ألمي، لكن لا أحد رآني… حتى أنت يا أبي، نظرتَ إلي بفخرٍ زائف ولم ترَ دمعة عيني الحبيسة خلف تلك البسمة الزائفة.
سلمتَ يدي لعريسٍ غريب لا أطيق لمس يده ولا صوته، رجلٍ يشبه الحجارة في حضوره ثقيلٍ على الروح كالجدران الرطبة، كنتُ أبتسم في الصور والناس لا يعلمون أنني أكتم شهقةً كلما اقترب مني.
وفي ليلة الزفاف جلستُ على طرف الفراش يعلوني صمتٌ كئيب، سمعته يغلق باب البيت خلفه ويقترب بخطواتٍ ثابتة من الغرفة، أرتجفُ في داخلي بينما قلبي يتقلص بداخل صدري، شعرتُ كأنني ضحيةٌ تُقدم على مذبح الطاعة، لم أشعر بالأمان ولا بالاحتواء كنتُ فقط أقاوم انكساري وأستجدي رحمةً لن تأتي، دخل الغرفة ليؤدي طقسًا روتينيًا لا علاقة له بالمشاعر وأنا أُجبر روحي على التماسك وأن أبدو راضية، بينما قلبي يصرخ في صمت: “أنقذني يا أبي… أنقذني من قرارك” .
مرت الأيام ولم يختلف شيء كل صباحٍ أستفيق على شعور الغربة، وكل مساءٍ أندس في فراشي أهرب من واقعٍ لا يُطاق، أتحاشى النظر في عينيه وأُخفي ارتجاف يدي كلما لمسني.
وفي إحدى الليالي جلستُ وحدي في الصالة بعد أن نام، أضأتُ المصباح الخافت وكتبتُ هذه الكلمات إليك يا أبي، أردتُ أن أصرخ بها أن أُخرج وجعي المتراكم بين طيات روحي، أن أعاتبك لأنك لم تحبني يومًا ولم تفهمني، أردتكَ أن تعلم أن ابنتك خائفة وأن أنوثتها مكسورة، وأن قلبها لا يزال يبحث عن الطمأنينة التي لم يجدها في بيتك ولا في بيت زوجها، ليتك سمعتني حين أخبرتك بـصمتي أنني لا أريده، ليتك كنت ترى رفضي المختبئ خلف دموعي الصامتة، ليتك سألتني هل تقبلينه؟ هل تطمئنين له؟ لكنك لم تفعل.
وفي مساءٍ عاصف دخلتُ عليك يا أبي والدماء تسيل من وجهي، وثوبي ممزق وجسدي ينوء بعشرات الكدمات، كانت عيناي جمرًا من الغضب ويداي ترتجفان ليس من الألم وحده بل من القهر والخذلان، ومن سنوات الصمت التي انفجرت دفعةً واحدة.
وقفتُ أمامك ونظرتُ في عينيك مباشرة وقلتها بصوتٍ مهتز لكنه واضح “هذه أنا يا أبي… ابنتك التي زوجتها لرجلٍ لا يعرف الرحمة، يضربني يهينني ويدوس على كرامتي كل يوم… هذه آثار قراراتك”.
يومها شهقت أمي وهي تسرع نحوي تحاول أن تضمَني، لكنني انسحبتُ منها فلم يعد لذلك الحضن فائدة، فدفؤه لن يستطيع إذابة الجليد المتراكم منذ عقود، كان نظري ما زال مصوبًا نحوك لكنك رددتَ بصقيعٍ مميت: “الحياة ليست وردية اللون… عودي إلى بيت زوجكِ واصبري، هذا ما تفعله الزوجة الصالحة”.
قولت لك بقهر: “إن عدتُ إليك مرةً أخرى فلن أعود واقفةً على قدمي… سأعود ملفوفةً بالكفن، قتيلةً ضحية لرجلٍ اخترته لي بيدك”، ولكنك علم تُجيب تحطمت يومها روحي فوق صخرة صمتك، وعلمتُ أنني بلا مأوى ولا سند”
صمتت السيدة وهي تتنفس بعمق وبدا عليها الانهيار وهي تطوي الورقة برفق ثم وضعتها فوق الطاولة أمامها، ورفعت وجهها تنظر إلى صاحبة الثوب الأحمر، فشرعت الأخيرة تقول:
_وفي إحدى نوبات غضبه، كنتُ بالمطبخ فانقض علي يضربني بكل ما أوتي من قوة، بعد موجة من الشحن تلقاها من والدته ضدي، كانت الصفعات تنهال على وجهي، وسبابٌ يتطاير من بين شفتيه يخترق أذني ليسحق ما تبقى من كرامتي، مر بعض الوقت وأنا أتلقى الضربات الموجعة هنا وهناك حتى أصبحتُ لا أميز مواضع الألم بجسدي، وفي لحظةٍ لم أدرِ فيها من أنا ولا ماذا أفعل، ولا أين تقف قدماي من هذه الحياة… امتدت يداه تطوقان عنقي بقوة أنفاسي تتسرب من بين شفتي على هيئة شهقةٍ مبحوحة، ونظراتي تتلاشى والعالم يضيق حولي ثم ينهار.
اختنقتُ… اختنقتُ حتى شعرتُ بأن قلبي يوشك على التوقف، وأن عيني ستنطفئان في اللحظة القادمة، كانت يده تشد على عنقي بكل حقد الدنيا، وكأنني عدوته اللدود لا زوجته، راحت يداي تتحسسان أي شيء… أي شيء ينقذني، لم أفكر ولم أخطط فيدي تتحرك تحت وطأة غريزة البقاء، إلى أن اصطدمت قبضتي بمقبض السكين، وفي ومضةٍ لا يُدركها العقل اندفعت يدي ليشق السكين منتصف صدره وتتناثر دماؤه.
انحلت عقدة يديه من حول عنقي وشعرتُ بالحياة تعود إلى جسدي، وقلبي يطرق فوق أبواب صدري بعنف وأنا أسعل بشدة، صوت ارتطام جسده بالأرض كان كدوي صاعقةٍ مزقت سمعي، كل شيءٍ بعده صار صامتًا… جامدًا… مجمَّدًا، نظرتُ إلى جسده الذي سقط أمامي، ورأيتُ الدم وهو يتفجر من صدره ليغمر الأرض وتتسلل بركته إلى قدمي فتغرق كعبي، لم أتحرك لم أصرخ لم أهرب لم أفكر… فقد توقف كل شيء.
مرت دقائق قبل أن أجرَّ جسدي لأتقدم منه كمن يسير نحو جثته هو، جثوتُ على ركبتي ومددتُ يدي المرتجفة نحو وجهه، أنفاسه قد اختفت هززته بهلع وأنا أصرخ في وجهه:
_بالله عليك… لا تمُت.
كان جسده ثقيلًا… ثقيلًا كالألم، ثقيلًا بحجم حياتي كلها.
راحت دموعي تهطل لكنها لم تكن دموعًا… كانت نيرانًا تحرق وجهي، أخذتُ أضرب صدره بكل ما بي من قوة وأنا أصرخ حتى كادت تتشقق حنجرتي:
_لماذا لم تتركني؟! لماذا لم يقتلني أبي في ذاك اليوم؟! لماذا جعلتم مني قاتلة؟! لماذا؟!
صرختُ حتى جف حلقي وبكيتُ حتى تحجرت عيناي، كنتُ أشعر أن الأرض تدور بي وأن الحوائط ستتداعى فوق رأسي، وأرتجف كمن أصابته الحمى يداي لا تزالان تحملان آثار الدم، والسكين ملقاةٌ قرب قدمي والذاكرة تفتح لي كل أبوابها دفعةً واحدة لتتدفق الذكريات تباعًا.
تذكرتُ ليلة أبي والسكين… تذكرتُ يده التي شدت شعري وصوته الذي هددني بالموت، وتمنيتُ حينها لو أنه قتلني فعلًا لكان أهون من أن أصبح أنا القاتلة.
لا أعلم كم من الوقت قد مر لم أستفق إلا على جلبةِ أناسٍ يصرخون وأصواتٍ تتعالى حول الباب، جيرانٍ وشُرطة… لم أدرِ كيف اقتحموا المكان ولا متى كان كل شيءٍ يحدث أمامي كأنني أرقبه من خلف زجاجٍ سميكٍ يُحيل الصخب إلى صمت، لم أسمع شيئًا ولم أستبين وجوههم فقط كانت عيناي شاخصتين نحو يدي الملطختين بالدم القاني، ووجهه الذي استقر فيه الصقيع والزمن الذي توقف عنده كل شيء.
وُضِعت الأصفادُ الحديدية في معصمي لم أقاوم لم أتكلم ولم يخرج من حلقي صراخ… فقط أرمق السكين الغارقة في دمه للمرة الأخيرة بعينين زجاجيتين، وأسألها بقلبٍ ذبيح هل كنتِ خلاصي الوحيد… أم قبري الأخير؟
جلستُ على الكرسي الحديدي البارد وكنتُ بالكاد أشعر بجلدي، أحد الضباط قال بنبرةٍ حادة: “لماذا قتلتِيه؟ كيف حدث هذا؟”
فتحتُ فمي ولم أستطع النطق شفتي ترتجفان وصوتي مختنق… أردتُ أن أقول: “قتلتُه دفاعًا عن نفسي” أردتُ أن أصرخ: “أنا ضحية لستُ مجرمة” لكن الصوت خذلني كما خذلني الجميع.
وضعوني في غرفةٍ ضيقة باردة جدرانها بلون العفن ورائحتها رطبة كقبر، جلستُ فوق الأرض وضعتُ رأسي بين ركبتي وبدأتُ أبكي، بكيتُ كطفلةٍ ضاعت من أمها لم يكن البكاء ندمًا فحسب، بل كان انهيارًا كاملًا لكل شيءٍ في داخلي، سمعتُ همسات النساء من حولي ونظراتهن تحمل الشفقة والخوف والاحتقار، ولكني لم أعد أعبأ كنتُ أضم جسدي إلى صدري أحاول أن أواسي نفسي بنفسي، في تلك اللحظة تمنيتُ لو أن أمي بجواري تربت على كتفي تمسح على رأسي وتقول لي: “لا تخافي يا ابنتي، أنا هنا” لكنها لم تكن هناك كما لم تكن أبدً.
أغمضتُ عيني ووجهي لا يزال يحمل آثار الدم، وقلتُ أتساءل بألم: هل أنا قاتلة؟ أم أنني الضحية التي وقعت بين مطرقة الأهل وسندان الزواج القسري؟ هل كنتُ أستحق الحياة، أم كنتُ منذ البداية وديعةً على أبواب الذبح؟
وبين جدرًا تلك الزنزانة الباردة عرفتُ حقيقة أن طفولتي لم تكن طفولة، وأن صباي لم يكن صبًا وأنني أنثى وُلدت لـتُجلد وتُشترى وتُباع، لكنني اليوم وإن كنتُ قاتلة فقد قتلتُ جلادي، ولأول مرةٍ أشعر أنني حية رغم أن إعدامي بعد أيامٍ قليلة.
مرت الأيام كأشباحٍ عابرة وسُحب الجسدُ المنهك في ثوبه الأحمر القاني نحو مقصلته الأخيرة ليتوقف نبضُ قلبٍ لم يعرف الأمان يومًا.
وبعد أن أُسدل الستارُ وسكت الصوت، اتجهت المحاميةُ بقلبٍ ينوء بحملٍ ثقيل ووجهٍ بللته دموع القهر إلى بيت والدها، تجر خطواتها لاستكمال الإجراءات الأخيرة واستلام الجثمان.
طرقَت الباب ففتحه الأبُ بصلابته المعهودة ونظراته الجافة لم تتغير، يقف خلفه صمتُ البيت الخانق وأم تجلس في المدى البعيد مطأطأ الرأس لم تجرؤ حتى على النظر نحو الباب، رفعت المحاميةُ رأسها وقالت بنبرةٍ يمتزج فيها الذهول بالمرارة:
_لقد نُفذ الحكم اليوم وأنا هنا لنكمل إجراءات استلام جثمان ابنتك لتُدفن بكرامة.
رد الأبُ بصوتٍ كالصخر لم تلمسه حرقة الفقد ولا وازغٌ من ضمير:
_ليس لدي بنات لأستلم جثمانهن… من قتلت زوجها ورخصت اسمنا بين الناس ماتت في نظرنا قبل أن يحكم عليها القاضي، لا شأن لنا بها افعلوا بالجثة ما تشاؤون.
ارتجفت يد المحامية وهي تُخرج من حقيبتها الرسالة المطوية، ومدتها نحوه بصوتٍ يخنقُه البكاء:
_هذه رسالة كتبتها ذات يوم بدموعها لك قبل أن ترحل، اقرأها علك تفهم حجم الظلم الذي أورثتموها إياه.
نظر الأب إلى الورقة بجفاءٍ قسري وبحركةٍ حاسمة أعاد يده إلى الخلف يرفض استلامها، ثم قال بنبرةٍ ملؤها العجرفة:
_لا تهمني ان أعرف كلمات تلك القتلة… أعطي حبرها ودموعها لمن يريدها فالحديث انتهى.
وضعَت المحاميةُ الرسالة مرةً أخرى في حقيبتها ومسحَت دمعة فرت من عينها وهي تنظر إليه بأسىً وشموخ، ثم قالت بصوتٍ يملؤه اليقين:
_اعلم أيها السيد أن رسولنا الكريم قال “رحمَ اللَّه والدًا أعان ولدهُ على بره” وأنت لم تُعنها سوى على الهلاك.
لم يجب فقط أغلق الباب في وجهها بقوةٍ هزت أركان المكان تاركًا المحامية تقف تنظر إلى الباب المغلق بذهول، عرفت حينها أن الصخر لا يلين وأن الأغلال التي كُبلت بها تلك الفتاة في حياتها لم تكن سوى انعكاسٍ لقسوة قلوبٍ لم يزحزحها موتها ولم تهزها فجيعة الدماء.