مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

عاد ولم يعد له مكان

كتبت سعاد الصادق:

 

 

لم يكن في المساء ما يوحي بأن شيئًا تغيّر، سوى أن الضوء أخذ ينسحب ببطء من النوافذ، تاركًا خلفه عتمةً تشبه الأماكن حين تفقد من اعتادت عليه.

 

مرّت الأيام، وهدأت خطوات كثيرة كانت تملأ القلب، وتعلّمت الروح كيف تُكمل الطريق دون أن تلتفت كل مرة إلى الباب.

 

ثم عاد.

 

عاد وفي عينيه اعتذارٌ طويل، وفي صوته ذلك الدفء القديم، كأن الغياب لم يكن سوى استراحة عابرة، وكأن المكان الذي تركه ما زال ينتظره كما هو.

 

لكنه لم يعرف أن الأماكن لا تبقى فارغة إلى الأبد.

 

ففي غيابه، شغل الصمت بعض المقاعد، واستوطن النسيان زوايا كانت عامرةً بالانتظار، ونمت في القلب مسافات لم تكن موجودة من قبل.

 

نظر حوله يبحث عن موضعه القديم، فلم يجد سوى آثارٍ باهتة لشيء كان يومًا عزيزًا.

 

قال: أعتذر.

 

لكن بعض الاعتذارات تصل متأخرة، حين تكون اليد قد أغلقت الصفحة، وسقطت من بين أصابعها أوراق المحبة واحدةً تلو الأخرى.

 

لم يكن الوجع في أنه عاد، بل في أنه عاد وهو يظن أن الغياب لا يغيّر شيئًا.

 

وعندما أقبل الصباح، لم يكن أحدٌ ينتظره في المكان نفسه.