مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين الحلم والواقع

Img 20241110 Wa0028

 

كتب الطاهر عبد المحسن*

*الجزء الأول*

 

في صباحٍ عادي، استيقظت من نومي على صوت المنبه الذي يصرخ بجانب سريري، وكأنما هو آخر شيء يذكّرني أنني يجب أن أبدأ يومًا آخر. فتحت عينيّ بهدوء، لم أكن مستعدًا تمامًا للانطلاق، لكنني كنت أعلم أن الحياة لا تنتظر. تأملت السقف للحظات. فكأنما كان هناك شيء يختبئ في تلك اللحظة العابرة، شيء يربطني بهذه الأرض.

 

في لحظةٍ كان فيها كل شيء هادئًا، وكان الناس يتبادلون الأحاديث ويزرعون الأمل في قلوبهم، فجأةً غمرت الأرض أصوات الرصاص والمدافع. بدأ الهدوء الذي اعتاده الناس يتلاشى، وأصبح الهمس في الشوارع ضجيجًا، تتطاير صور العائلات التي تهرب من منازلها، والأطفال الذين لا يفهمون سببًا لهذا الخوف الذي تملك قلوبهم الصغيرة.

كانت الحرب، في لحظاتها الأولى، تشبه طيفًا بعيدًا، وكأنها حلم غير واقع. لكن مع مرور الوقت، انتشرت في كل مكان، لتغرق أرض السودان، تلك الأرض الجميلة، بحزن لا يعرفه إلا من عاش فيها. المدن التي كانت تعج بالحياة أصبحت خالية، والشوارع تحولت إلى مسارح للموت والفقد.

الناس الذين كانوا ذات يوم يخرجون من منازلهم بأملٍ، أصبحوا الآن ينظرون في قلب هذا الوطن أملًا ضائعًا. في كل زاوية، ترى الدمار والخراب. هذه هي الحرب تأخذ كل شيء، حتى الأمل.

أكثر ما يوجع القلب هو فقدان الأشياء الصغيرة التي كانت جزءًا من الحياة اليومية: صوت الأمهات، خطوات الأطفال وهم يركضون من باب المنزل في الصباح. أصبح كل شيء هشيمًا تذروه الرياح.

كانت الأيام تمر ثقيلة. فقد اختفت أصوات العصافير في الصباح على شاطئ النيلين. لم نعد نسمع أصوات الأمواج على جزيرة توتي. أصبحنا لا نرى سوى تلك العائلات وهي تحمل أطفالها على أكتافها للخروج من وسط الرصاص. لكن الموت كان يلاحقهم في كل مكان، والتهجير كان مصيرهم.

*هذه هي الحرب، لا ترحم. حتى بدأ السودان يفقد جزءًا من روحه.*