مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

اليوم في مجلة «إيڤرست» الأدبية نسلّط الضوء على قضية تشغل الرأي العام وتهتم بالصالح العام. نستضيف اليوم «أ/ زياد الشريف»، معلم اللغة العربية، خريج كلية التربية بتقدير امتياز، والحاصل على درجة الدبلوم المهني في طرق التدريس.

حوار: ولاء خلف

 

 في حوار اليوم، نلتمس أكثر معاناة الطالب قبل المعلم، ومن وجهة نظر قريبة، ومن داخل المرحلة الثانوية، نتشارك مشكلات الطلاب والمعلمين.

 

■ هل حضرتك بدأت التدريس حبًّا فيه أم قدرًا؟

• قدرًا، ومع الوقت أحببته. التحقت بكلية التربية دون تخطيط، وكان اليأس متملكًا حينها. كان تنسيق كلية التربية في النظام القديم مرتفعًا، وأنا كنت أول دفعة «دفعة التابلت» بنظام جديد، لكن نصحني معلمي أثناء كتابة الرغبات بكتابة كليات عالية في الأول.

طبعًا سمعت كلامه، وكان في بالنا إنها مش هتيجي، لكن يشاء العزيز العليم إنها هي اللي تيجي. بدأت الرحلة، والحمد لله تخرجت بامتياز مع مرتبة الشرف، وحضرت دبلومة.

 

■ مع بداية العام الدراسي، ما أبرز الصعوبات التي تواجه المعلم؟

• أظن أن كثرة الأعباء هي أبرز الصعوبات؛ من التحضير والشرح والتصحيح ووضع الاختبارات ومتابعة الطلاب، بخلاف الأعمال الإدارية والتعامل مع بعض أولياء الأمور.

لكن أهم من كل هذا هو ضعف دافعية الطلاب وقابليتهم للتعلم.

 

■ من وجهة نظر حضرتك، أي مراحل التعليم أصعب بالنسبة للمدرس والطالب؟ ولماذا؟

• بالنسبة للمعلم، أظن أن المرحلة الإعدادية هي الأصعب؛ لأن الطالب ينتقل فيها من مرحلة الطفولة إلى المراهقة، فتطرأ عليه تغيرات كثيرة، ويجب على المعلم أن يتكيف مع كل ذلك ويقومه.

أما بالنسبة للطالب، فأظن أن المرحلة الثانوية هي الأصعب؛ لأنها من وجهة نظر الغالبية العظمى هي التي تحدد مصيره، فيكون تحت ضغط شديد جدًا.

 

■ ما أكثر الصعوبات التي يتعرض لها الطالب خلال رحلته التعليمية؟

• هناك صعوبات دراسية، مثل تراكم المذاكرة والنسيان وصعوبة الفهم، وصعوبات نفسية، مثل فقدان الثقة بالنفس وضغط الأهالي على الطلاب.

 

■ هل ترى حضرتك أننا بحاجة إلى تخفيف المناهج الدراسية، خاصة مع ما يُقال عن صعوبة المناهج المصرية مقارنة ببعض الدول الأخرى؟

• نعم، نحتاج إلى تخفيف. أصبحنا لا نتعلم من أجل التعلم، وإنما أشعر أننا نقوم بعمل شيء روتيني فقط.

الشغل الشاغل أصبح أن يكون هدف المعلم هو الانتهاء من شرح المنهج وفق الخطة الموضوعة فقط، فلا يستطيع الإبداع.

 

■ هل ترى حضرتك أن تغيير النظام التعليمي الحالي له فائدة على الطلاب؟

• إذا تم تطبيقه كما قيل عنه، فسيكون له فائدة، لكننا لا نعطي أي نظام فرصة كاملة. نحن نغير النظام كل عام، نحذف مواد ونضيف مواد، وهذا خطأ جسيم.

أهم وسيلة لنجاح أي نظام هي الاستقرار.

 

■ هل ترى حضرتك أن الزخم الإعلامي حول الثانوية العامة يؤثر في الطلاب وأسرهم؟ وكيف؟

• بالطبع. معظم الأسر الآن لا تنظر إلى قدرات أبنائها الحقيقية، وإنما كل هدفهم أن يدخلوا طب أو هندسة، حتى إذا كانت قدراتهم لا تؤهلهم.

ويريدون الحصول على هذه الكليات بأي وسيلة، سواء بالغش أو السماعات.

 

■ وبما أنك تدرّس في المرحلة الثانوية، هل ترى أن نظام الثانوية العامة يؤثر في أحلام الطلاب وطموحاتهم؟

• أرى أننا حولنا الثانوية العامة إلى «بعبع». الثانوية العامة كأي سنة دراسية عادية؛ مطلوب منك السعي والاجتهاد، والتوفيق من عند الله.

الرزق ليس في الكلية، وبالطبع عدم السيطرة على الغش يؤثر على الطالب المجتهد.

 

■ وهل يحصل الطلاب فعلًا على الفرصة التي يستحقونها؟

• لا أظن. نحن نحتاج إلى نظام تعليمي كامل ومتكامل، يوضع بدقة ويطبق بدقة؛ نظام يليق بالجميع، ويكون هدفه الطالب والمعلم.

نعطي المعلم حقه حتى يستطيع أن يقوم بعمله على أكمل وجه، وكذلك الطالب، حتى لا يشعر بالظلم وخيبات الأمل.

 

■ من وجهة نظر حضرتك، ما الذي يمكن أن يغيّر منظومة التعليم ويُحدث نهضة تعليمية حقيقية؟

• إعادة النظر إلى المعلم باعتباره أساس المنظومة التعليمية، وتوفير كافة حقوقه واحتياجاته.

يجب أن تكون المدرسة مكانًا حقيقيًا للتعلم، وأن ننظر إلى الخارج حتى نرى كيف تكون المدارس ومواصفاتها، مع اكتشاف المواهب وتنميتها بدل اختزال الجميع في قالب واحد.

 

■ كيف يمكن أن نبني جيلًا متعلمًا بحق، وليس مجرد حاصل على شهادة؟

• بالثقافة. يجب أن تكون القراءة لدى الطالب عادة؛ أن يقرأ في الأدب والتاريخ والحديث والبلاغة والأحداث العالمية.

وظيفة المدرسة أن تؤهل الطالب للحياة الحقيقية، وليست مكانًا فقط لتدريس المنهج. يجب أن تعلم الطالب كيف يبحث، وكيف يعمل في فريق، وكيف يدير وقته، وكيف يكتب بشكل جيد، وغيرها من المهارات.

علينا أن نجعل الطالب يفكر ويبدع، وأن تكون طريقة التدريس قائمة على ذلك وليس الامتحان فقط.

نحن نعاني من أن طرائق التدريس في المدارس لا تناسب مستوى امتحانات الثانوية العامة.

 

■ ما الحلم الذي يطمح المعلم إلى تحقيقه في مهنته؟

• أتوقع، وبالنسبة لي خاصة، أن أترك أثرًا طيبًا في نفوس طلابي لا يزول. أن يتذكروا دائمًا معلمهم بكل الخير، وأن يتذكروا أنه زرع فيهم كل ما هو جميل، وأهلهم للحياة بشكل جيد.

أن يكون بالنسبة لهم أبًا وليس معلمًا فقط، وأن يشعر بأن ما يفعله يصنع إنسانًا حقيقيًا، وليس آلة تلبي الرغبات.

 

■ ما الرسالة التي تود أن توجهها لكل طالب، ولكل معلم، ولكل مسؤول عن التعليم؟

• للطالب: لا تجعل هدفك فقط هو الحصول على مجموع يؤهلك لكلية معينة، أو الوصول إليها بأي وسيلة. تحرَّ الحلال، ولا تنسق وراء المغريات، واسْعَ واعمل ما بوسعك.

تذكر أنه «ليس للإنسان إلا ما سعى»، وأن الحرام عمره ما كان الغاية. اجعل غايتك هي التعلم الحقيقي. وإذا كنت تبحث عن المال، فالرزق ليس في كلية بعينها.

• للمعلم: أنت لست مؤديًا فقط، بل أنت تقوم بفعل الأنبياء. تذكر أنك لا تشرح درسًا فقط، بل تترك أثرًا في إنسان.

نجد أيضًا بعض المعلمين الذين يشغلهم جمع المال، ولا أنكر أننا جميعًا نعمل ونحتاج إلى الأموال حتى نعيش، لكن المعلم يجب عليه أن يتحرى الحلال في كل جنيه يحصل عليه.

المعلم الحقيقي لا يصنع طالبًا متفوقًا فقط، بل يصنع إنسانًا أفضل.

• للمسؤول: إذا أردت إصلاح التعليم، فعليك أولًا بمن يقف داخل الفصل، وعليك أن تكفي احتياجاته.

أرى أننا ننجح في إخراج أصحاب شهادات، لكننا لم ننجح في إخراج أشخاص متعلمين حقًا.

 

وبعد هذا الحوار الثري، وضعنا أيدينا على جانب من معاناة الطالب والمعلم، وتوقفنا أمام كثير من التحديات التي تواجه منظومة التعليم، بين أعباء المعلم، وضغوط الطالب، ومشكلات المناهج والامتحانات.

لكن يبقى السؤال: هل المعضلة في الطالب، أم المعلم، أم المنهج، أم في منظومة تحتاج إلى إعادة نظر حتى نصنع تعليمًا يليق بالإنسان قبل أن يصنع له شهادة؟