تحرير: ليمار وليد
من خلال تجربته الممتدة في الصحافة والكتابة والتوثيق، يفتح لنا السراج نافذة على تاريخ الفن السوداني، وأهمية حفظ إرث المبدعين وتقديمه للأجيال الجديدة، متوقفين معه عند محطات من مسيرته ورؤيته للواقع الفني والثقافي السوداني.
مرحبًا بك أستاذ نوح، وشكرًا لإتاحتك هذه الفرصة للنقاش حول قضية ثقافية مهمة جدًا.
■ كيف ترى أهمية توثيق الفن السوداني في الوقت الحالي، وما الذي يجعله قضية أساسية في تجربتك؟
• التوثيق جزء من تاريخ السودان، فهو يحفظ حكايات وتجارب ناجحة حدثت في أزمنة مختلفة، ويتيح للأجيال الحالية الاستفادة منها. كما أنه نوع من حفظ التراث الخالد في قلوب وعقول ووجدان السودانيين، ولذلك لا بد من الحفاظ عليه حتى لا يندثر ويطويه النسيان.
■ ما الأشياء التي تستحق التوثيق بصورة أكبر، لكنها لم تأخذ حقها حتى الآن؟
• شمل التوثيق جوانب كثيرة من الحياة الثقافية والأدبية والفنية والإعلامية في السودان، وهذا عمل يستحق التقدير، لكن المشكلة أن أعداد المهتمين بالتوثيق قليلة. وإذا رحل أحدهم فقدنا ثروة قومية تمتلك معلومات ثرية عن شخصيات ورموز ساهمت في الارتقاء بالفنون السودانية.
هناك الكثير من الرموز المنسية التي لم يتم التوثيق لها حتى الآن، وتحتاج إلى جهد للوصول إلى أقرب الناس إليها، لأن هؤلاء جزء من تاريخ الوطن، ومن المهم توثيق إسهاماتهم في المجالات التي عملوا بها.
■ ماذا يحتاج الإعلام حتى يعكس التراث والفن السوداني ويوصله إلى أبناء البلد والعالم؟
• لا بد من إعطاء التوثيق اهتمامًا أكبر في الصحافة والقنوات والإذاعات، مع استضافة أشخاص موثوق في معلوماتهم، لأن ما نوثقه سيُحفظ للتاريخ، ولذلك يجب الحرص على عدم تقديم معلومات غير صحيحة.
كما يجب إعداد كتب تُنشر على نطاق واسع داخليًا وخارجيًا. وهناك وسائل أخرى للتوثيق يمكن الاستفادة منها، مثل الأعمال الدرامية التي أصبحت في دول أخرى وسيلة مهمة لتوثيق سير الرموز. وأتمنى أن نضيف هذا النهج إلى توثيق رموز أبدعت وقدمت عطاءً يستحق أن نقف عنده ونستفيد من تجاربه.
■ هل المشكلة الأساسية في السودان هي قلة التوثيق أم ضعف المؤسسات التي تحفظه وتوصله إلى الأجيال الجديدة؟
• ليست هناك مشكلة في التوثيق لرموزنا الإبداعية، ولا بد من الإشادة ببعض القنوات والإذاعات والصحف التي ساهمت في تعريف الجيل الحالي برموز أفنت زهرة شبابها في تجميل الواقع السوداني عبر الإبداع الفني.
لكن من الناحية التقنية والفنية، أتمنى الحفاظ على هذا الإرث في أماكن آمنة حتى لا تتعرض الأشرطة والمواد التاريخية للتلف، كما حدث لبعض موادنا التي فقدناها بسبب الإهمال وعدم تقدير المسؤولية.
■ لماذا يظل بعض المبدعين حاضرين في الذاكرة لعشرات السنين، بينما تختفي أسماء أخرى رغم موهبتها؟
• بعض المبدعين تظل أعمالهم الخالدة تتحدث عنهم مدى التاريخ، لأنها أعمال رصينة عاشت في وجدان الناس وستظل في ذاكرة الأمة. فالفنان تخلده أعماله.
وفي المقابل، هناك مبدعون قدموا عطاءً يستحق التوثيق، لكنهم تعرضوا للإهمال أو تم التركيز على أشخاص بعينهم، فظُلموا ولم يُوثق لهم. والإعلام ظلم كثيرًا من رموز هذا الوطن التي أعطت ولم تبخل عليه بشيء، لكنها لم تجد الوفاء الذي تستحقه، ولذلك يجب أن نراجع أنفسنا ونبحث في أروقة الفنون والدفاتر لإصلاح هذا الخطأ.
■ الفنان محمد وردي لم يكن مجرد مطرب، بل ارتبط اسمه بمراحل وتحولات كبيرة في السودان.. كيف ترى العلاقة بين تجربته الفنية والتاريخ الاجتماعي والسياسي للبلد؟
• الفنان محمد وردي شخصية مختلفة ومتميزة ومتعددة المواهب؛ فهو المطرب والملحن والشاعر والسياسي، وأضيف إليها أيضًا أشرف المهن: المعلم.
ارتبط وردي بكثير من الحقب السياسية، كان مؤيدًا لبعضها ومختلفًا مع أخرى في الرأي والمبدأ والفكرة، وشارك في مواقف سياسية بالغناء لبعض الثورات التي قادها الشعب، وبالرأي أيضًا.
وهكذا هو المبدع الحقيقي الذي يتفاعل مع قضايا وطنه في كل أشكالها. المبدع جزء أصيل من وطنه، ويستطيع أن يحرك المشاعر بمجرد كلمة أو أنشودة، لأن ثقة الجماهير فيه كبيرة.
وقد سببت مواقف وردي وأحاديثه الشجاعة، عندما كان يجهر برأيه دون خوف، الكثير من المشاكل، ودخل السجن أكثر من مرة، لكن إيمانه بقضيته لم يثنه عن السير في طريقه. وهكذا يظل المبدع شمعة مضيئة تحترق لتسعد الآخرين وتنير لهم الطريق الذي يخدم القضية والوطن.
■ كيف ترى مكانة فن الحقيبة في تاريخ الأغنية السودانية؟ وهل الجيل الحالي يفهم قيمته بالشكل الكافي؟
• فن الحقيبة مكانته عظيمة في تاريخ الغناء السوداني وفي الحياة الاجتماعية بصورة عامة، ويكفي أن أغنياته كانت بالنسبة لبعض المطربين الشباب طوق نجاة للشهرة وطريقًا نحو النجومية.
وللأسف، بعض الشباب الذين يتغنون بأغنيات الحقيبة لا يعرفون حتى الفنان الذي غنى الأغنية أو اسم شاعرها، وأحيانًا يجهلون معاني كلماتها.
لكن لا شك أن أغنية الحقيبة لعبت دورًا كبيرًا في الحياة السودانية، وكانت وستظل محل اهتمام كل مبدع يعرف ماذا قدمت للمجتمع وما تناولته من قضايا اجتماعية تخص الناس.
■ عند توثيق سيرة فنان راحل، كيف تفرق بين الحقيقة التاريخية والروايات المتداولة حول حياته وأعماله؟
• أستقي المعلومة من مصادر موثوقة، ولا أعتمد على الحكايات والروايات المنتشرة في الوسائط، لأنها قد تكون غير صحيحة وغير مؤكدة.
كما أن الفنان الذي أوثق حياته ومسيرته الإبداعية تربطني به علاقة وثيقة، وربما تكون كثير من المعلومات قد وردت على لسانه مباشرة. إضافة إلى ذلك، أمتلك أرشيفًا كبيرًا يساعدني في مهام التوثيق والتحقق من المعلومات.
■ بعد كل هذه السنوات من البحث والكتابة والتوثيق، ما الشيء الذي تتمنى أن تعرفه الأجيال القادمة عن الفن السوداني وألا تنساه؟
• في إحدى المرات استغربت جدًا أن صحفية تكتب في الفنون تجهل تاريخ افتتاح المسرح القومي وتاريخ الإذاعة والتلفزيون، ولا تعرف أسماء بعض الفنانين الرواد. شيء غريب وعجيب.
أتمنى أن يقرأ شباب اليوم التاريخ، وخاصة الشباب العاملين في مجال الإعلام، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. هم يحتاجون إلى المعلومة المؤكدة عن تاريخ الفنون لتعينهم في عملهم، حتى لا يتعرضوا للإحراج والفشل.
معرفة التاريخ طريق للنجاح وإثبات الوجود على الساحة الإعلامية بالعلم والمعرفة والأفكار والابتكارات، حتى يكتسب الإعلامي ثقة من يستمع إليه أو يقرأ له أو يشاهده عبر التلفاز.
■ وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود تقديمها؟
• أود الإشارة إلى مسألة مهمة جدًا تتعلق بثقافة الإنسان، ولا بد من الاهتمام بها في المرحلة القادمة، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها البلاد. يجب نشر ثقافة الإنسان لبناء إنسان مثقف ومتعلم وواعٍ، يساهم في تنمية المجتمع الصالح الذي نسعى إليه جميعًا، من خلال فهم معنى أن نحب الوطن ونعمل من أجله ونضحي بالغالي والنفيس.
وثقافة السلام أيضًا مطلوبة لرتق النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي بين أبناء الشعب الواحد الموحد بإذن الله تعالى.
كل الشكر والتقدير والاحترام للأستاذة ليمار وليد على إتاحة الفرصة للحديث والحوار عبر هذه المجلة المتميزة «إيفرست»، مع خالص أمنياتي لكل أسرة المجلة بالتوفيق والنجاح، وتحياتي وتقديري لكل قراء المجلة. وبالله التوفيق.






المزيد
في هذا الحوار، نستضيف الإعلامية وصانعة المحتوى الثقافي دينا نهاد المناديلي، صاحبة برنامج «شخصيات مصرية مع دينا»، الذي يسلط الضوء على شخصيات مصرية تركت بصمات مؤثرة في مختلف المجالات. نتعرف معها على رحلتها، وفكرة البرنامج، وكيف تسعى من خلاله إلى إعادة تقديم سير الشخصيات المصرية الملهمة للأجيال الجديدة.
اليوم أستضيف موهبة مختلفة الملامح استطاع ان يتميز في عالم الأدب بلونه وقضاياه المختلفة، في هذا الحوار الشيق يتحدث الكاتب د. كيرلس ثروت ويعبر عن الكثير في رحلته الأدبية
في لحظات التكريم، لا تتوقف الحكاية عند جائزة تُسلَّم أو لقب يُضاف إلى المسيرة، بل تمتد لتكشف رحلة طويلة من المحاولات والتردد والشغف والإصرار. ومن هنا تأتي تجربة الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب، التي استطاعت أن تصنع لنفسها مساحة تجمع بين الكتابة والترجمة، وتحول شغفها بالكلمة إلى أعمال تدعو القارئ إلى التأمل في ذاته وحياته