حوار: ولاء خلف
■ كيف كانت البداية، وكيف اكتشفتَ أن لديكَ موهبة؟
• البداية كانت بدافع لا أستطيع أن أسميه موهبة بقدر ما أسميه حاجة إلى الكتابة. كنت أكتب لأن هناك أشياء كثيرة بداخلي لا أعرف كيف أقولها إلا على الورق. ومع الوقت بدأت ألاحظ أنني لا أكتب لمجرد تفريغ مشاعري، وإنما أستطيع تحويل الفكرة أو الشعور إلى حكاية أو شخصية أو سؤال يخص الإنسان بشكل عام. هنا بدأت أفهم أن الكتابة بالنسبة لي شيء أستطيع أن أبني من خلاله عالمًا كاملًا، فبدأت أجمع كتاباتي وأنشرها للمرة الأولى في كتاب «هواجس بني آدم» عام ٢٠٢١، ومن هنا بدأت انطلاقتي في رحلتي الأدبية.
■ هل للواقع تأثير على الكاتب، أم أن الكاتب يبني عوالمه من الخيال؟
• أكذب لو قلت إن الواقع ليس له تأثير على الكاتب. فأنا من الكتاب الذين لا يكتبون إلا حينما يدفعهم الواقع للكتابة، فلا أكتب رغبة في الكتابة بشكل عام، بقدر ما أكتب لأعبّر أو أشرح أو أسأل عن الواقع الذي أعيشه أنا أو يعيشه من حولي.
■ ما نصيحتك لمن يبدأ بالكتابة؟
• أنصحهم ألا يكتبوا إلا حين يكون هناك شعور داخلي يدفعهم للتعبير عنه. فالكتابات المصطنعة أصبحت كثيرة وسهلة في عصر أدوات الذكاء الاصطناعي، التي يمكنها كتابة وبناء الكثير من النصوص البليغة، لكن الفرق بينها وبين كتابة الإنسان هو أنها تفتقر إلى الشعور الذي يكون بداخل الكاتب حين يكتب. لذلك، إذا كتب الكاتب بلا شعور، تصبح كتابته مصطنعة ومتكلفة.
■ هل على الكاتب توخّي الحذر من شيء ما، أو أن هناك فكرة لا يجب أن يكتب عنها؟
• أعود للشعور مرة أخرى، وأقول: لو كان الكاتب يعتقد فكرة أو يشعر بشعور لا يجرؤ على الكتابة عنه أو التفكير فيه، فهو كاتب جبان. والجُبن الفكري من أخطر أنواع الجبن. فلا توجد فكرة لا يمكن الكتابة عنها ما دام الكاتب يتحدث بصدق عما بداخله.
■ هل لديك فكرة معينة يتم التركيز عليها في أعمالك، أم أن الفلسفة والحزن في أعمالك ليسا الفكرة التي تبني عليها ما تكتبه؟
• فكرتي الأساسية في أعمالي هي تسليط الضوء على أهمية التفكير النقدي، وفحص الإنسان لكل الأفكار حوله وداخله. فنحن في عصر كثر فيه النفاق الفكري في كل شيء؛ في المجتمع والعمل والعلاقات الشخصية، حتى وصل الأمر إلى المقدسات نفسها. وتم تسميم الكثيرين بأفكار نفسية واجتماعية وعقائدية، لذلك إذا لم يجرؤ الإنسان على التقييم والفحص النقدي لكل شيء حوله، يصبح ضحية لأفكار مسممة لا يعلم مصدرها.
■ المجموعة القصصية «هواجس بني آدم»، هل تتحدث عن مخاوف الإنسان أم أن العنوان ليس له علاقة بالمضمون؟
• «هواجس بني آدم» تتحدث عن تناقضات الإنسان؛ ما بين مخاوفه واطمئنانه، وما بين لحظات القوة والضعف، وما بين إيمانه بأشياء وكفره بالأشياء نفسها في الوقت ذاته.
■ هل الخيال كافٍ لإيصال فكرة الكاتب إلى القارئ؟
• التعبير عن الخيال مهم جدًا لإيصال الفكرة، فبدون قدرة على التعبير يصبح الخيال سجين العقل ولن يصل إلى القارئ.
■ هل طرأت يومًا بخاطرك فكرة تريد كتابتها ولكنك تخشاها؟
• لم يحدث هذا؛ فلدي ما يكفي من الشجاعة لطرح أفكاري دون خوف ما دمت أفكر فيها. وأنا أعترف بعدم مثاليتي، ويمكن أن أخطئ في كثير من الأحيان، لكن لدي ما يكفي من الشجاعة لمواجهة أفكاري حتى لو كانت خاطئة، ويمكن أن أكون أنا أول من يقف ضدها.
■ هل تأثرت موهبتك ببعض الكُتّاب الذين تقرأ لهم؟
• تأثرت موهبتي بكيرلس ثروت نفسه، فهو الوحيد الذي يؤثر فيّ تأثيرًا إيجابيًا نوعًا ما.
■ هل التركيز على الفلسفة في أعمالك وتأثرك ببعض الفلاسفة يعطي لأعمالك رونقًا مختلفًا عن باقي الكُتّاب؟ أو بمعنى آخر: هل هو ما يجعلها مميزة؟
• نعم، أعتقد ذلك بشكل كبير. فالفلسفة تعطي لمسة مميزة لكتاباتي، وبدونها قد تكون الكتابات مميزة في ظاهرها فقط، لكنها تظل عادية ما دامت تفتقر إلى التفكير الفلسفي.
■ ما الذي دفعك للكتابة عن وهم الأقنعة والفضيلة المزيفة؟ هل هذا بدافع شخصي، أم أنك تطرح القضية من خلال ما تراه؟
• هي قضية منتشرة ولامستها في واقعي أكثر من مرة، بداية من النفاق الاجتماعي المزيف وصولًا إلى النفاق الديني بين رجال الدين ودعاة الفضيلة المزيفة. ورأيت أن الصمت عن هذا الأمر والخوف من مناقشته يزيدان من انتشاره في عصر انتشار المعلومات.
■ ما الحلم الذي تسعى إليه؟
• أسعى إلى أن أصل بصوتي لفضح دعاة الفضيلة المزيفة.
■ هل لديك عمل قادم؟
• أعمل على رواية منذ عام ٢٠٢٤، تسلط الضوء على موضوع الفضيلة المزيفة نفسه، ولم أنتهِ منها بعد.
■ ما الرسالة التي تود أن توصلها للقراء من خلال الكتابة؟
• أن يفكروا في كل شيء، ويتحلوا بمهارة التفكير النقدي؛ لأننا في زمان تتزيّف فيه الحقائق، ومن يؤمن بالأشياء بسهولة هو أول المضللين.
وفي ختام هذا الحوار، نلمس بوضوح ملامح تجربة أدبية لا تكتفي بالكتابة من أجل الكتابة، بل تنطلق من سؤالٍ وفكرةٍ وقضية، وتحاول أن تضع القارئ أمام ما اعتاد أن يمرّ عليه دون تفكير. وبين الفلسفة والواقع، ومناقشة الأفكار ومواجهة الفضيلة المزيفة، يبدو أن رحلة الكاتب «كيرلس ثروت» لا تزال تحمل الكثير من الأسئلة التي لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد.
ويبقى الأدب، في النهاية، مساحةً للتساؤل قبل أن يكون مساحةً للإجابة، وربما كانت أهم رسالة خرجنا بها من هذا الحوار: أن نفكر، وأن نفحص ما نؤمن به، وألا نسمح للأفكار أن تمرّ إلينا دون أن نمنح عقولنا حق السؤال.






المزيد
في لحظات التكريم، لا تتوقف الحكاية عند جائزة تُسلَّم أو لقب يُضاف إلى المسيرة، بل تمتد لتكشف رحلة طويلة من المحاولات والتردد والشغف والإصرار. ومن هنا تأتي تجربة الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب، التي استطاعت أن تصنع لنفسها مساحة تجمع بين الكتابة والترجمة، وتحول شغفها بالكلمة إلى أعمال تدعو القارئ إلى التأمل في ذاته وحياته
في إيفرست الأدبية، نلتقي اليوم بصوت يجمع بين الشعر الذي يلامس الوجدان، والفكر الذي يطرح الأسئلة ويبحث خلف الظواهر. ضيفنا هذه المرة هو الكاتب والشاعر أحمد صلاح، صاحب القلم الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يحاول دائمًا أن يسأل ويجادل ويعيد النظر.
من منشور على فيسبوك إلى كتاب بين يديك، استطاعت الكاتبة المصرية الشابة آيه طه أن تصنع لنفسها حضورًا في الساحة الأدبية، وأن تنتقل بتجربتها من منصات التواصل الاجتماعي إلى الإصدارات الورقية والمشاركة في معارض الكتاب، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض ساقية الصاوي للكتاب.