المحرره: رحاب عبد الحميد
ومع حصولها على هذه الجائزة، تبدو اللحظة بالنسبة إليها تتويجًا لطريق بدأ بخطوات هادئة، لكنه كان مليئًا بالتحديات والإيمان بما تكتب. وفي هذا الحوار، نقترب من تجربتها الإنسانية والإبداعية، ونتعرف على معنى الجائزة بالنسبة إليها، وأبرز محطات رحلتها، وطموحاتها القادمة، ورسالتها لكل من يبدأ اليوم من النقطة التي بدأت منها.
■ في البداية، كيف تصفين شعورك وأنتِ تستعدين لتسلُّم هذه الجائزة؟
• أشعر بمزيج من الفخر والامتنان، إلى جانب رهبة جميلة تسبق لحظة تسلُّم الجائزة. فهي بالنسبة لي ليست مجرد درع أو لقب، وإنما تقدير لرحلة كاملة من الكتابة والمحاولة والتردد، ثم الشجاعة في أن أقدّم ما أكتبه للآخرين.
وأجمل ما في هذه اللحظة أنها تؤكد لي أن الخطوات التي نخطوها بهدوء، حتى وإن لم نرَ نتائجها سريعًا، لا تضيع. لذلك أستعد لها بامتنان كبير، وبإحساس أكبر بالمسؤولية؛ لأن كل تقدير نحصل عليه يدفعنا لأن نكون أكثر صدقًا مع ما نكتب، وأكثر حرصًا على أن يكون لما نقدمه أثر حقيقي لدى القارئ.
■ إذا عدنا إلى بداية رحلتك، متى شعرتِ أن الكتابة يمكن أن تقودكِ إلى إنجاز كهذا؟
• لم أكن في البداية أملك يقينًا بأن ما أفعله سيقودني إلى جائزة أو لقب. كنت أكتب لأن الكتابة كانت بالنسبة لي مساحة لفهم نفسي والاقتراب من الإنسان ومشاعره وأسئلته.
لكن اللحظة الفارقة كانت عندما بدأت ألاحظ أن ما أكتبه لا يبقى حبيس أوراقي، بل يصل إلى الآخرين ويجعل بعضهم يتوقف أمام فكرة أو يشعر أن كلمات ما عبّرت عنه. وقتها أدركت أن الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد هواية، وإنما طريق يمكن أن يكون له أثر حقيقي.
ومع صدور «رحلة إلى الداخل – تساؤلات الوعي» ثم خوض تجربة المسابقة، بدأ هذا الإحساس يتبلور أكثر. لم أكن أبحث عن لقب بقدر ما كنت أبحث عن فرصة أضع فيها تجربتي أمام القارئ، ولذلك كان الفوز نتيجة جميلة لرحلة بدأت قبل أن أعرف إلى أين ستصل.
■ ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال رحلتك، وكيف استطعتِ تجاوزها؟
• من أبرز التحديات كان التردد، ليس في الكتابة نفسها، وإنما في مشاركة ما أكتبه مع الآخرين. فالكتابة كانت في البداية مساحة شخصية جدًا، وكنت أتساءل: هل ما أشعر به وأفكر فيه يمكن أن يجد طريقه إلى القارئ؟
كما كان الجمع بين الكتابة والترجمة وتعدد المسارات المهنية تحديًا آخر، لأن كل مجال يحتاج إلى وقت وتركيز وتطوير مستمر. لكنني تعلمت ألا أتعامل مع تعدد اهتماماتي باعتباره تشتتًا، بل جوانب مختلفة يكمل بعضها بعضًا.
وتجاوزت ذلك بالاستمرار ومنح نفسي فرصة للتجربة حتى مع وجود الخوف أو عدم اليقين. وأهم ما تعلمته أن انتظار اللحظة التي نشعر فيها بأننا مستعدون تمامًا قد يؤخرنا كثيرًا؛ أحيانًا نبدأ أولًا، ثم تأتي الثقة مع الطريق.
■ هل مررتِ بلحظة شعرتِ فيها بالرغبة في التراجع أو الاستسلام؟
• بالتأكيد، خصوصًا في البدايات، عندما كنت أتساءل إن كان الطريق الذي اخترته يستحق كل هذا الجهد، وهل ما أكتبه سيجد من يقرأه ويفهمه ويشعر به.
كانت هناك لحظات يكون فيها الصمت أسهل من المحاولة، والتراجع أكثر أمانًا من وضع شيء من داخلي أمام الآخرين وانتظار تقييمهم. لكنني كنت أعود إلى السبب الأول الذي جعلني أكتب: أن لدي شيئًا أريد قوله، وأسئلة أريد طرحها، ومشاعر وأفكار أؤمن بأن مشاركتها قد تلمس شخصًا آخر.
لذلك لا أرى أن تجاوز الرغبة في الاستسلام يعني ألا نشعر بها، وإنما أن نتعلم ألا نجعلها تتخذ القرار بدلًا منا. أحيانًا نتوقف قليلًا، نعيد ترتيب أنفسنا، ثم نكمل الطريق بوعي وهدوء.
■ من أكثر شخص كان له تأثير في رحلتك، وتشعرين أنه يستحق أن تشاركيه فرحتك؟
• هناك أكثر من شخص كان لهم أثر في رحلتي، لكن إذا كان عليّ أن أذكر شخصًا كان حضوره مختلفًا، فهو زوجي. كان من أكثر الأشخاص الذين آمنوا بي قبل أن أمتلك أنا نفسي هذا القدر من اليقين، ولم ينظر إلى ما أفعله باعتباره مجرد حلم، بل تعامل معه كشيء يمكن أن يصبح حقيقة.
كان حاضرًا في لحظات التردد والتعب، وشجعني على الاستمرار، وكان إيمانه بي من الأشياء التي منحتني القدرة على أن أكمل حتى عندما لم أكن أرى الطريق بوضوح.
لذلك عندما أعيش لحظة مثل هذه، لا أشعر أن الفرحة تخصني وحدي، بل أشعر أن جزءًا كبيرًا منها يخصه، لأنه كان شريكًا حقيقيًا في الطريق.
■ ما الإنجاز الذي تفخرين به أكثر، حتى لو لم يكن السبب المباشر في حصولكِ على الجائزة؟
• أفتخر بأنني استطعت الانتقال من مرحلة الكتابة لنفسي إلى امتلاك الشجاعة لمشاركة ما أكتبه مع الآخرين. وكتاب «رحلة إلى الداخل: تساؤلات الوعي» يمثل لي إنجازًا خاصًا؛ لأنه لم يكن مجرد كتاب، بل خطوة خرجت فيها بأفكاري وتأملاتي من مساحتي الخاصة إلى القارئ.
كما أعتز كثيرًا بتجربتي في الترجمة الأدبية، وترجمة «الشيطان يسكن لشبونة»، لأنها جعلتني أعيش شغفي باللغة والأدب بطريقة مختلفة، وسمحت لي بأن أكون جسرًا بين ثقافتين.
لكن الإنجاز الأهم بالنسبة لي هو أنني استطعت الحفاظ على شغفي رغم تعدد المسؤوليات والتحديات، وأن أبني طريقًا يجمع بين الكتابة والترجمة. فالجائزة أسعدتني بالتأكيد، لكن أن أرى نفسي اليوم كاتبة ومترجمة وأؤمن بما أقدمه، فهذا في حد ذاته إنجاز أفخر به كثيرًا.
■ برأيك، ما الذي يميز الشخص الناجح عن غيره في مجال الكتابة والترجمة؟
• النجاح لا يعتمد على الموهبة وحدها، وإنما على القدرة على الاستمرار وتطوير النفس، حتى في الأوقات التي لا يحصل فيها الإنسان على التقدير أو النتائج التي ينتظرها.
في الكتابة والترجمة تحديدًا، أرى أن الفضول والقدرة على التعلم والصدق مع ما نقدمه عناصر أساسية. فالكاتب يحتاج إلى أن يظل قارئًا قبل أن يكون كاتبًا، والمترجم يحتاج إلى فهم الثقافة والسياق وروح النص، وليس الكلمات فقط.
والنجاح يحتاج إلى الصبر؛ لأن هذا المجال لا يعطي نتائجه دائمًا بسرعة. والشخص الناجح هو من يعرف موهبته، لكنه لا يكتفي بها، بل يعمل عليها ويتقبل النقد ويتعلم من أخطائه ويستمر في بناء نفسه.
■ بعد هذا التكريم، هل تشعرين أن سقف طموحكِ ارتفع؟ وما الهدف القادم؟
• بالتأكيد، التكريم جعل سقف طموحي أعلى، لكنه في الوقت نفسه جعل إحساسي بالمسؤولية أكبر. ومن أقرب خطواتي الانتهاء من الجزء الثاني من كتاب «رحلة إلى الداخل»، الذي أوشكت على الانتهاء منه، وأتمنى أن يكون امتدادًا حقيقيًا للجزء الأول، لكن برؤية أعمق وأكثر نضجًا، ويحمل للقارئ أسئلة وتجارب جديدة.
وبالتوازي مع الكتابة، أطمح إلى الاستمرار في الترجمة الأدبية وتوسيع تجربتي فيها، خاصة في نقل الأدب والثقافة الإسبانية إلى القارئ العربي.
وفي النهاية، لا أريد أن يكون طموحي مرتبطًا فقط بعدد الكتب أو الجوائز، وإنما بالأثر الذي تتركه أعمالي؛ أن أكتب شيئًا يجعل قارئًا يتوقف ويفكر أو يرى نفسه وحياته من زاوية مختلفة.
■ لو أُتيحت لكِ فرصة توجيه رسالة إلى شخص يبدأ اليوم من النقطة التي بدأتِ منها، ماذا ستقولين له؟
• لا تنتظر أن تشعر بأنك مستعد تمامًا حتى تبدأ، ولا تجعل خوفك من ألا تكون جيدًا بما يكفي يمنعك من المحاولة. أنا نفسي مررت بلحظات شككت فيها في قدرتي، لكنني اكتشفت أن الطريق لا يمنحنا اليقين قبل أن نبدأ، وإنما يمنحنا إياه ونحن نسير.
اقرأ كثيرًا، وتعلم باستمرار، وتقبل أن تخطئ وتعيد المحاولة. لا تقارن بدايتك بمنتصف طريق شخص آخر، ولا تجعل تأخر النتائج يجعلك تشك في قيمة ما تفعله.
والأهم أن تكون صادقًا مع نفسك ومع ما تقدمه. ابدأ بما تملك ومن حيث أنت، واستمر؛ فقد تكتشف بعد سنوات أن الخطوة الصغيرة التي كنت مترددًا في اتخاذها كانت بداية كل ما وصلت إليه.
وفي ختام الحوار، تبدو تجربة داليا فرج الطواب أكبر من مجرد لحظة فوز بجائزة؛ فهي رحلة تؤكد أن النجاح لا يأتي دائمًا في صورة نتيجة سريعة، وإنما يتشكل عبر سنوات من المحاولة والتعلم ومواجهة الخوف والاستمرار رغم الشكوك.
وبين الكتابة والترجمة، وبين ما تحقق وما تطمح إلى تحقيقه، تواصل داليا طريقها بإيمان بأن للكلمة قدرة على الوصول والتأثير، وأن أجمل ما يمكن أن يحققه الكاتب هو أن يترك في قارئه سؤالًا جديدًا، أو فكرة تستحق التأمل، أو شعورًا يجعله يرى نفسه والعالم من زاوية مختلفة.
ولعل هذه الجائزة ليست نهاية الرحلة، بل محطة جديدة فيها من الفرح بقدر ما فيها من مسؤولية، وبداية لصفحات أخرى تنتظر أن تُكتب.






المزيد
في إيفرست الأدبية، نلتقي اليوم بصوت يجمع بين الشعر الذي يلامس الوجدان، والفكر الذي يطرح الأسئلة ويبحث خلف الظواهر. ضيفنا هذه المرة هو الكاتب والشاعر أحمد صلاح، صاحب القلم الذي لا يكتفي بالكتابة، بل يحاول دائمًا أن يسأل ويجادل ويعيد النظر.
من منشور على فيسبوك إلى كتاب بين يديك، استطاعت الكاتبة المصرية الشابة آيه طه أن تصنع لنفسها حضورًا في الساحة الأدبية، وأن تنتقل بتجربتها من منصات التواصل الاجتماعي إلى الإصدارات الورقية والمشاركة في معارض الكتاب، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض ساقية الصاوي للكتاب.
في عالم الأدب، تتشابك الأصوات وتعلو، ولكن لا يعلو صوت فوق صوت الموهبة. ومن بين المواهب الشابة تبرز الكاتبة ملك نصار، التي بدأت الكتابة في مرحلة الثانوية، واتخذت من القلم مساحة للتعبير عن مشاعرها وأفكارها، قبل أن تخطو خطواتها في عالم الأدب من خلال مشاركاتها في عدد من الأعمال