الكتابة بين الحرية والفوضى
بقلم خيرة عبدالكريم
في عالمٍ لم تعد فيه الكلمة حبيسة الورق، بل غدت متاحة لكل من يملك وسيلة للنشر، تبرز إشكالية عميقة تتجاوز ظاهرها البسيط: هل الكتابة حقٌّ مطلق للجميع، أم أنها مسؤولية لا يحملها إلا من امتلك أدواتها؟ إن هذا السؤال لا يتعلّق بالعمر ولا بالشهادة، بقدر ما يمسّ جوهر الكتابة ذاتها: أهي فعلٌ عفوي، أم ممارسة واعية تتطلب نضجًا فكريًا ولغويًا؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن فتح المجال أمام الجميع للكتابة هو انتصار للحرية، إذ يسمح بظهور أصوات جديدة، وربما مدهشة، حتى وإن كانت في سن مبكرة. فالعمر، في هذا السياق، ليس معيارًا للحقيقة ولا للإبداع، لأن الفكر لا يُقاس بالسنوات، بل بعمق التجربة وحدّة الوعي. غير أن هذه الحرية ذاتها قد تنقلب إلى فوضى، حين تختلط الأصوات الواعية بضجيج سطحي يفتقر إلى أبسط شروط التعبير السليم.
فالكتابة ليست مجرد رصفٍ للكلمات، بل هي بناءٌ للمعنى، وإعادة تشكيلٍ للعالم عبر اللغة. إنها فعلٌ يتطلب قدرة على التفكير، ووعيًا بالأسلوب، واحترامًا للقارئ. ومن هنا، لا يكفي أن يكتب الإنسان حتى يُسمّى كاتبًا، بل لا بد أن يرتقي بنصّه من مستوى التعبير العابر إلى مستوى التأثير العميق.
أما التكوين الأكاديمي، فليس شرطًا مطلقًا للإبداع، لكنه يظل أداةً لصقل الموهبة وتوجيهها. فالموهبة الخام، مهما كانت لامعة، قد تظل ناقصة إن لم تُدعّم بالمعرفة والقراءة والتجربة. وفي المقابل، قد نجد من لم يمرّ بمسار أكاديمي، لكنه ارتقى بنفسه عبر الاجتهاد حتى بلغ مستوى رفيعًا من النضج الأدبي.
إن الإشكال الحقيقي، إذن، لا يكمن في من يكتب، بل في ما يُكتب. فبين الحرية والفوضى خيطٌ رفيع، لا يُحفظ إلا بالوعي والمسؤولية. والكتابة، في نهاية المطاف، ليست حقًا فحسب، بل هي التزام أخلاقي وفكري، يفرض على صاحبها أن يكون جديرًا بالكلمة التي يخطّها.






المزيد
دوائر القدر : للكاتبة:سعاد الصادق
حب يملأ الدنيا
عالم جزئي