مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

القلادة الفيروزية

Img 20250107 Wa0010

كتبت منال ربيعي 

 

في صباحٍ دافئ، تخللت خيوط الشمس نافذة غرفتها، أُهديت الفتاة قلادة فيروزية من صديقة قديمة، قيل إنها تراثية، من عصر بعيد، ومليئة بالأسرار. حملت القلادة بيد مرتعشة، شعرت بنبض غريب، وكأنها قطعة من قلب ينبض في يدها. حين علّقتها حول عنقها، لامست الأحجار الباردة جلدها، ولكن شيئًا في داخلها اشتعل.

 

مع أسرتها، تحولت إلى حتحور.

كانت تجلس في ركن المنزل، وأطفالها يلعبون حولها. فجأة، شعرت بدفء عجيب يتدفق من القلادة إلى قلبها. أصبح صوتها رخيمًا، هادئًا، وكأنه أغنية لطمأنينة قديمة. حين ضحكت، شعرت أن ضحكتها تمتد لتملأ أركان البيت، وتجعل الجدران تنبض حياة. كل لمسة منها كانت كسحابة ماطرة تروي عطش أطفالها، وكل كلمة نطقتها تحولت إلى أمان يغلف أرواحهم. في تلك اللحظات، لم تكن مجرد أم؛ كانت تجسيدًا حيًا لحتحور، إلهة الحب والخصوبة، التي تمنح الحياة في كل ما تلمسه.

 

مع أعدائها، أصبحت سخمت.

في ليلة مشحونة بالغضب، واجهت من حاول كسر سلامها. أحست بتيار بارد يزحف من القلادة إلى عقلها. عيناها اشتعلتا بوميض كالنار، وظهر في ملامحها حدة لم تكن تعرفها في نفسها. كلماتها صارت سيوفًا تقطع الحجة، وخطواتها اهتزت لها الأرض كأنها زئير ليث هادر. حين وقفت أمام خصومها، شعروا وكأنهم يواجهون جيشًا كاملاً، لا امرأة. كان كل جزء في جسدها يصرخ بالقوة، كل حركة تعلن عن سخمت التي لا تُهزم.

 

أما مع حبيبها، فتجسدت باتسيت.

ذات مساء، جلست معه تحت ضوء القمر. لامست القلادة حين شعرت بنبضة حنين تخرج منها، وكأنها تعزف لحنًا قديمًا. عيناها أصبحتا بحيرتين من السحر، وصوتها غزل نغمات ناعمة أذابت المسافات بينهما. في كل لمسة، كانت تخبره ألف حكاية عشق، وفي كل نظرة، كانت تزرع زهرة في قلبه. مع كل همسة، بدا وكأن العالم يتوقف، ليشهد تجلي باتسيت، إلهة الحب والرقة، التي تجعل من اللحظة قصيدة أبدية.

 

القلادة لم تكن مجرد زينة. لقد كانت بابًا فتح أمامها عوالم ثلاثية، لكل عالم لغة خاصة ووجه مختلف. وفي كل لحظة، كانت الفتاة تتحول إلى من هي حقًا: أمٌّ ترعى، محاربةٌ لا تُقهر، وعاشقة تنسج الأبدية من كلمات. القلادة لم تغير حياتها فقط؛ لقد أظهرت لها ملامح روحها التي كانت مختبئة عبر الزمان.