مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفتاة التي تنسج الأحلام

Img 20250414 Wa0024

كتبت منال ربيعي

 

 لها أصابع من الجنة، نحيلة، بيضاء كالثلج، تنساب على الحرير كأنها تعزف أنشودة من زمنٍ لا يعرفه أحد. كانت تغزل رسومات سحرية من جنان لم يزرها غيرها، تنقش على كل ثوب قصة حب، وكأنها تعرف مسبقًا من سيرتديه. حتى العازبات من النساء كنّ يزرن بيتها، ويحصلن على ثوب، يكون بعده لكلٍ منهن حكاية عشق، يغرقن بعدها في حب لا ينقطع.

 

الغريب أنها كانت ضريرة. لكنك حين تراها، تنسى أنها لا تبصر. بشرتها بيضاء صافية، وعيناها مغمضتان دومًا كأنها تحلم. جفناها طويلان، وعندما تتحرك، تبدو وكأنها تمشي على سحابة. وجهها دائم السكون، إلا من ابتسامة هادئة، لا تُفارق شفتيها، تشبه ابتسامة من رأى الجنة وعاد. كانت تضع على رأسها خمارًا أبيض شفافًا، وشعرها الطويل ينسدل ضفائر ناعمة خلف ظهرها، تفوح منه رائحة ياسمين.

 

أصابعها كانت ترى الألوان، وتنقشها بدقة متناهية، كأن في كل إصبعٍ عينًا مبصرة.

حين أتت إلى صاحب الدكّان، رجل خمسينيّ بلحية رمادية وقامةٍ متوسطة، اعتاد الحذر في التعامل، ظنّ أنها ستطلب صدقة. لكنها قالت له بثبات إنها يتيمة، وتوفّي ولدها. أخبرته أنها تعلمت من أبيها الغزل على الحرير، وقد أوصاها أن تأتي إلى دكّانه إن أصابه مكروه، لأنه يعرفه وتعامل معه كثيرًا في بيع الغزل.

 

تنهد، وقد رقّ قلبه. طلب منها أن تغزل نقوشها على منديل صغير. أعطاها الإبرة والخيوط، وأجلسها إلى جواره، يرقبها. اشتغل مع زبائنه ساعة، وتركها تغزل في صمت. ثم نادته، وهي تطوي المنديل بين كفيها.

 

فتحه، فوجد داخله وردة حمراء، كاد أن يشمّ عطرها. مغزولة بدقة تخلخل العقل. قبّل كفيها، دون وعي، وأعطاها دينارًا ذهبيًا. طلب منها أن تغزل ثوبين لابنتيه العازبتين، فهما ستحضران زفاف صديقتهما. أعطاها الخيوط، فانصرفت إلى بيتها في صمتٍ ناعم.

 

بعد أسبوع، جاءت بالأثواب. الأول: لفتاة ترقص وسط حديقة من فردوس مفقود، والآخر: لفتاة تغني على شرفةٍ تعجّ بالزهور. فرحت البنات، وما إن حضرن الزفاف، حتى أتى لكل منهن خاطب. سكن قلباهما، وذاقتا الحب.

 

كانت الغزّالة تمتلك ملامح مَلَكية، لكن بروحٍ بسيطة. خدّاها بلون الورد، وملامحها هادئة، لا تصرخ بجمالها، بل تُسحر به. كانت تغزل بعينيها المغمضتين، تحلم وتنقش حلمها. كل غرزةٍ كانت نغمة، وكل لون كان شعورًا.

 

صارت زرقتها تميمة حظ، أرسلها القدر له. تمنى لها الحب والحياة، كما وهبتهما لبناته.

 

حتى أتى حارس القصر إلى الحانوت، يطلب ستائر لقصر الملك. وحذّر صاحب الدكان: “إن لم تعجب الملكة، ستدفع الثمن”.

عمل معها، وغزلت، ونسجت، حتى هدّها التعب، لكن النتيجة كانت معجزة.

 

ذهبت الستائر إلى القصر، وحين نُصبت في قاعة الملكة، ارتدت القاعة ثوبًا من نور. ابتسمت الملكة، وظلت تتغنى بها، وأمام الملك والأمير، سألت عن الصانع. أجاب صاحب الحانوت: “أنا وفتاة يتيمة”.

 

كان الأمير حاضرًا. شاب في الخامسة والعشرين، طويل القامة، عيناه كالعنبر، فيهما دفء وأسرار. شعره أسود مسرّح بدقة، يرتدي عباءة حريرية مطرزة بخيوط ذهبية، لكنه بدا مهمومًا دائمًا، كأنه يبحث عن شيء لا يعرفه.

 

حين سمع بالفتاة، اشتعل فضوله. في اليوم التالي، تلصّص من نافذة الحانوت، فرآها تغزل الحرير وعيناها مغمضتان. خُيّل إليه أنها تتلو تعاويذ سحرية، لكن حين وقفت، وتناول منها صاحب الحانوت ما صنعت، أدرك أنها ضريرة. رآها تبتسم، وأصابعها تلمع في الضوء، كأنها تُضيء بنفسها.

 

مال قلبه لها، وشعر أنه وجد ما كان يبحث عنه. هام بها حبًّا، واتّخذها زوجة. لم تكن فقط زوجة، بل سكنًا، ونورًا، وأميرة نسجت له فردوسه بيديها.

 

وصارت حياته معها جنة. مرت شهور على زواجهما، وكان القصر قد تغيّر. لم يعد الأمير آدم يغادر جناحه كثيرًا، كان يقضي ساعاته مع رُقيّة، يُمسك يدها وهي تغزل، يراقبها تصنع الجمال من اللاشيء، يتأمل عينيها المغمضتين ويتمنى لو يرى ما تراه في قلبها.

 

لكنّ الهمس بدأ يدبّ في البلاط. الحاشية لم تستسغ زواج الأمير من فتاة ضريرة، حتى وإن كانت تملك يدين من نور. بعضهم قال إنها تسحره، وبعضهم اتهمها بأنها تستدرّ عطفه بحكاياها. وكان في القصر فتاة نبيلة تُدعى “ليانا”، حسناء متكبرة، كانت تأمل أن تكون زوجة الأمير. حين فشلت، صار الحقد يأكلها، وأرادت أن تُسقط رُقيّة من قلب الأمير.

 

ذهبت إلى الملكة، وقالت لها:

– حبّ الأمير لتلك الفتاة ليس إلا شفقة، وإن اختبرتها، ستسقط. دعيها تُثبت أنها تستحقه.

 

وصل الحديث إلى الأمير، فتألم، لكنه لم يُرِد أن يدخل في صراع مع والدته. فاقترب من رُقيّة ذات مساء، وقال لها بحنان:

– رقيّتي، يقولون إنكِ لا تصلحين لقصري… هل تتركين بيتنا لبعض الوقت وتعودين بعد أن تهدأ الريح؟

 

لم تغضب، لم تبكِ. فقط ابتسمت، وقالت:

– سألبي طلبك، إن وعدتني أن تنتظر قلبي، لا عينيّ.

 

غادرت القصر، وعادت إلى بيتها الصغير. لم تغزل شيئًا، ولم تغنِ. فقط كانت تصلي.

 

وفي ذات ليلة، استيقظ الأمير فزعًا من حلمٍ رأى فيه رُقيّة وحيدة في صحراء، تلفّها العتمة، وصوت يقول له: “من يترك الضوء، يستحق الظلام”. فركض إلى بيتها في الفجر، وطرق الباب بقلبٍ ملهوف، فلما فتحت، لم تقف، بل ارتمت في حضنه، ودموعها تنساب بصمت.

 

قال لها:

– لن أترككِ ثانية. هم أرادوا اختبارك، لكنكِ كنتِ الاختبار… لي أنا.

 

وفي اليوم التالي، دعا كل من في القصر إلى قاعة العرش. وقف وأعلن أمام الجميع:

– هذه، رُقيّة، ليست فقط زوجتي، بل معجزتي. من لا يرى بعينيها، لا يستحق أن يكون في قصري.

 

ومن يومها، صارت كل نساء القصر يطلبن من رُقيّة أن تغزل لهن. لكنّها كانت لا تغزل إلا لمن تحسّ بدفء قلبه. صارت رمزًا للحبّ الذي لا تراه العين، بل تعرفه الأرواح.

 

وكتب الأمير آدم في مذكراته:

“لم تقع عيناي عليها يومًا… بل قلبي هو من أبصرها. ومن يبصر بقلبه، لا يضلّ أبدًا.”