مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الطبع غلب التطبع

بقلم: كِنانه عيسى

تُعد عبارة “الطبع غلب التطبع” من الأمثال الشعبية التي تحمل معاني عميقة حول طبيعة النفس البشرية وسلوكها، وتثير الكثير من التساؤلات الفلسفية حول مدى تأثير البيئة والمحيط على شخصية الإنسان وتصرفاته.

وهي عبارة تعبّر عن حقيقة إنسانية مفادها أن الصفات والطبائع التي تأصلت في جذر الإنسان تكون غالباً أقوى من العادات والتقاليد التي يكتسبها تصنعاً مع مرور الزمن.

أولاً: بين الطبع الفطري والتطبع الاكتسابي

 الطبع: يشير إلى تلك الصفات والميول التي يولد بها الإنسان، سواء كانت إيجابية أو سلبية؛ حيث تصبح مفتاحاً رئيسياً لراحته النفسية. فهناك أشخاص بطبعهم يميلون للحدة والعصبية أو الكبرياء والتسلط، وهو ما قد يرضي غرورهم ويريحهم بداخلهم. وبالمقابل، هناك أشخاص طبيعتهم رقيقة وهادئة، وتمثل بالنسبة لهم الواجهة الفطرية التي يرتاحون بالتعريف عن أنفسهم بها.

 التطبع: فيعبر عن صفات وسلوكيات مؤقتة يتمتع بها الإنسان جراء تأثره ببيئته والتربية والتقاليد التي يتلقاها. وهذه السلوكيات قد تتغير أو تتلاشى مع مرور الزمن، ولن يبقى صامداً في النهاية سوى جوهر طبيعته وعاداته الأولى التي ولدت معه منذ نشأته.

وكثيراً ما نرى هذا المثل يتجلى في الحياة الواقعية؛ حيث يظل الإنسان محتفظاً بصفاته الأصلية التي تميل دائماً لأن تكون أكثر قوة ونفوذاً من التأثيرات الخارجية.

ثانياً: انكماش الأقنعة عند مواقف الضغط

على سبيل المثال، قد يُظهر الإنسان طبيعة فطرية من العدوانية أو الطيبة مهما حاول المجتمع أو التهذيب التعديلَ منها في الأوقات العادية.

لكن الطباع الحقيقية تتكشف جلياً في مواقف الضغط الشديد، أو التهديد، أو الأزمات المفاجئة؛ حيث تتساقط الأقنعة المكتسبة وتظهر الصفات المتأصلة، مما يدل على أن الجوهر الفطري سيعبر عن نفسه مهما حاول الإنسان التخفي وراء سلوكيات مصتنعة.

ثالثاً: الوجهان الإيجابي والسلبي للمفهوم

لهذا المثل نصيب متوازن من الجانبين الإيجابي والسلبي:

 الجانب الإيجابي: تُعتبر الصفات المتأصلة بمثابة هُوية حقيقية تُعرف الشخص وتساعدنا على فهمه وتكوين رؤية واضحة عنه، مما يسهل عملية تقبّله كما هو بدلاً من استنزاف الطاقة في محاولة تغييره جذرياً.

 الجانب السلبي: قد يكرس الاعتقاد الجاف بأن الإنسان عاجز تماماً عن التطور أو التغير، وأن الطبع هو السائد دائماً، مما يقلل من أهمية المحاولة والجهد التربوي والنفسي. وهو اعتقاد يحتاج حتماً إلى توازن؛ فالطبع قد لا يتغير كلياً، لكن بوجود من يفهم الإنسان ويتقبله، تتوازن طبيعته ويصبح أكثر راحة وسكينة في ممارسة حياته.

رابعاً: صراع الطبيعة والبيئة في الفلسفة

بالعودة إلى المصادر والكتب الفلسفية، نجد أن هذه العبارة تختصر الصراع الأزل المستمر بين الطبيعة (\bm{Nature}) والبيئة (\bm{Nurture}) في تشكيل الشخصية.

وهذا يذكرنا أنه رغم التعليم، والتدريب، والتثقيف، يبقى جوهر الإنسان الطبيعي حاضراً بقوة، ومؤثراً على سلوكياته وقراراته بدرجة أكبر من العادات الظاهرية.

خاتمة ورسالة:

والخلاصة أن عبارة “الطبع غلب التطبع” تذكرنا دائماً بأن هناك صفات فطرية عميقة لا يمكن أن تتغير بسهولة، وأنها تبقى باقية ومتجذرة حتى مع مرور السنين والتأثيرات الخارجية.

لكنها في الوقت ذاته ليست حكماً مطلقاً يلغي قدرة الإنسان على التهذيب والتطور، وإنما تنبهنا إلى أهمية فهم الطبيعة البشرية، والاعتراف بقوة الطبع الأصلي. فالتوازن الحكيم بين الفطرة الصادقة والتربية الواعية هو المفتاح الحقيقي للتميز الشخصي والرقي المجتمعي.