اللهم إنك تعلم أننى تحملت
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل الرابع عشر
اللهم إنك تعلم أننى تحملت الغربة وتحملت الوحدة وتحملت العمل
السر
هناك تضحيات لا يراها الناس، لكنها لا تغيب أبدًا عن علم الله.
ليس كل ألم يترك أثرًا على الجسد، فهناك آلام تختار أن تسكن الروح. لا يسمعها أحد، ولا يكتبها التاريخ، ولا يصفق لها الناس، لكنها تكبر داخل الإنسان حتى تصبح جزءًا من صوته، ونظرته، وصمته.
حين اتخذت قرار الرحيل، كنت أعلم أننى لا أترك مكانًا فقط، بل أترك جزءًا من عمرى. كنت أعرف أن الطريق الذى اخترته لن يكون مفروشًا بالطمأنينة، وأننى سأدفع ثمنه كل يوم، لكننى لم أكن أملك طريقًا آخر أستطيع أن أنظر فيه إلى نفسى دون خجل.
بدأت الغربة.
والغربة ليست أن تتغير أسماء الشوارع، أو أن تختلف لهجات الناس. الغربة الحقيقية أن تبحث عن وجه تعرفه فلا تجده، وأن تمر عليك أيام كاملة دون أن تجد من تقول له إن قلبك متعب.
كانت الوحدة أول من استقبلنى.
فى نهاية كل يوم، كنت أعود محملة بتعب لا يعرفه أحد. أفتح الباب، فأجد الصمت فى انتظارى. لا شكوى أرويها، ولا كتف أضع عليه ما أثقل قلبى. كنت أتعلم كل يوم كيف يربى الصمت الإنسان، وكيف يجعله أكثر حديثًا مع الله، وأقل انتظارًا للبشر.
ثم جاء العمل.
لم يكن العمل عيبًا يومًا، لكن التعب يصبح مختلفًا حين لا تعمل من أجل حلم، بل من أجل النجاة. كنت أعمل وأنا أفكر فى الدواء، وفى الغد، وفى أبنائى، وفى كل فاتورة قد تعجز يدى عن سدادها. لم يكن الجسد هو الذى يتعب، بل العقل الذى لا يعرف كيف يتوقف عن التفكير.
وكانت هناك نظرات…
نظرات لا تعرف قصتى، لكنها تحكم عليها.
نظرات ترى امرأة تعمل وحدها، ولا ترى الليالى التى بكت فيها، ولا الدعوات التى رفعتها، ولا الأسباب التى دفعتها إلى كل هذا. تعلمت أن الناس يرون المشهد الأخير، أما الفصول التى سبقته فلا يراها إلا الله.
وكلما اشتد التعب، كنت أرفع رأسى إلى السماء وأقول:
اللهم إنك تعلم…
لم أكن أقولها لأُخبر الله بشىء، فهو يعلم قبل أن أتكلم. كنت أقولها لأن قلبى كان يحتاج أن يتذكر أن هناك شاهدًا لا يظلم، ولا ينسى، ولا يحكم بالمظاهر.
اللهم إنك تعلم أننى لم أختر الغربة حبًا فيها.
وتعلم أن الوحدة لم تكن أمنيتى.
وتعلم أننى لم أبحث عن مشقة الحياة، بل بحثت عن رضاك.
كنت أشعر أحيانًا أن العالم كله لا يفهمنى، لكن هذا الشعور كان يهدأ حين أتذكر أن فهم الناس ليس هو ما ينجينى، وإنما علم الله بحقيقتى.
وهنا أدركت معنى لم أكن أعرفه من قبل.
أن الإنسان قد يخسر تأييد الناس، لكنه إذا احتفظ بشهادته عند الله، لم يخسر شيئًا.
وقد يعيش مجهولًا بين البشر، بينما يكون معروفًا فى السماء بصبره، وصدقه، ومحاولاته التى لم يرها أحد.
لم يعد يشغلنى أن يصدق الناس قصتى.
ولا أن يقدروا تضحياتى.
ولا أن يعتذروا عن أحكامهم.
فقد اكتفيت بأن يكون الله شاهدًا على الطريق كله.
على كل خطوة مشيتها وأنا خائفة.
وعلى كل دمعة أخفيتها حتى لا ينكسر أبنائى.
وعلى كل مرة قلت فيها: “الحمد لله”… بينما كان قلبى يتداعى من الداخل.
ولهذا لم تكن الغربة هى أصعب ما عشته.
ولا الوحدة.
ولا العمل.
أصعب ما عشته… أن أظل قوية حتى لا ينهار من يعتمدون على قوتى.
وكان الله وحده يعلم كم مرة كنت أتماسك أمام الناس…
ثم أنهار بين يديه.
رسالة الفصل
قد يجهل الناس حجم تضحياتك، لكن ما كان لله لا يضيع، وما شهده الله لا يحتاج إلى شهادة أحد.
تمهيد الفصل الخامس عشر
وبعد كل هذه الرحلة…
لم يبق فى القلب إلا دعاء واحد، خرج من أمٍ أنهكها الفقد، وما زالت تتشبث بالأمل.
الفصل الخامس عشر: “فيا الله… أشهدك أننى لا أقوى على فراق أخيه، فأحفظه لى، وقُرَّ عينى بشفائه يا رب العالمين.”






المزيد
هل تُحاسبنى على ذنبٍ لم أقترفه؟ بقلم الكاتب هانى الميهى
من صفحات رواية قلب صامت يعشق بقلم إيمان يوسف أحمد
كريمة علي مربي بقلم عبدالرحمن غريب