مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الصعيد بين الأمس واليوم.

بقلم: سميرة السوهاجي

“الصعيد ليس مجرد أرض، بل جذور ضاربة في التاريخ، وقلوب نابضة بالكرامة، ومستقبل ينتظر أن يُصنع.”

يُعَدُّ الصعيد قلبَ مصرَ الجنوبيَّ النابض، أرضَ الحضارةِ والتاريخ، التي كانت وما زالت تحمل ملامحَ الأصالةِ والكرمِ والشهامة. غير أن هذا الجزء العريق من الوطن عاش طويلًا في عزلةٍ نسبية جعلته منغلقًا على نفسه، تحكمه الأعراف والتقاليد أكثر مما تحكمه القوانين، وتفرض سطوتها على تفاصيل الحياة اليومية. ففي الأمس، كان الحرمان من الرعاية والتعليم سمةً بارزة في قرى الصعيد، حيث كانت المدارس قليلة، والمستشفيات نادرة، والفرص تكاد تنعدم. وكانت المرأة على وجه الخصوص تعاني من التهميش؛ فزواج القاصرات كان شائعًا، وحرمانها من التعليم واقعًا مؤلمًا، إضافةً إلى انتشار بعض الممارسات المؤذية مثل ختان الإناث، والتي ظلت لفترة طويلة عادةً متوارثة.

لكن اليوم تغيّر وجه الصعيد كثيرًا، فقد فُتِحت أبواب المدارس والجامعات، وأُقيمت المستشفيات والمراكز الصحية، وصار للصعيد نصيب من مشروعات التنمية والتوعية. أما المرأة، فقد خرجت من دائرة التهميش لتصبح طبيبةً ومهندسةً ومعلمةً، وتملك حق اختيار شريك حياتها، وحق المشاركة في العمل وبناء المجتمع. ومع جهود وزارة الصحة وحملات التوعية، بدأ ختان الإناث يتلاشى شيئًا فشيئًا، وصارت قضايا حقوق المرأة والتعليم محاور أساسية في الخطاب الاجتماعي. كما ساعد الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة على كسر العزلة القديمة، فصار أهل الصعيد أكثر انفتاحًا على العالم وتفاعلاً مع قضاياه.

وإذا كان الحديث عن المرأة في الصعيد قديمًا يرتبط بالحرمان والتهميش، فإن الحديث عنها اليوم يرتبط بالقيمة والكرامة؛ فهي عند أهل الجنوب جوهرة مصونة، لها مكانة عالية وغالية، فهي الأم التي تُربّي، والزوجة التي تُساند، والابنة التي تُفتدى بالروح. كذلك، الأرض في الصعيد ليست مجرد مساحة للزراعة، بل هي عرض وشرف وكيان، تتوارثها الأجيال جيلًا بعد جيل، وتُغرس فيها معاني الانتماء والاعتزاز. وهذه المكانة للمرأة والأرض معًا هي مما يميز الصعيد عن غيره، حيث يلتقي الحب بالوفاء، والجذور بالهوية.

أما الرجل الصعيدي، فرغم ما قد يحققه من مناصب قيادية أو نجاحات كبيرة، فإنه يظل وفيًّا لأصوله، معتزًّا بجذوره، يحمل في قلبه كل الحب والاحترام للأب والعم والأخوال، ويعتبر كلمة الكبير عنوانًا للطاعة والوقار. وهذا الارتباط العميق بالأسرة واحترام الكبار هو من أجمل ما يميز الصعيد، ويجعل الروابط الإنسانية فيه أكثر دفئًا وقوة، حيث يبقى الانتماء للعائلة والاعتزاز بالأصل ركيزةً لا تهتز مهما تغيّرت الظروف.

ورغم هذا التغيير الكبير، ما زالت بعض التحديات قائمة، وفي مقدمتها قضية الثأر التي تُعَدّ من أكبر الموروثات السلبية، إذ تهدد السلم الاجتماعي وتستهلك طاقاتٍ كان الأولى أن تُوجَّه للبناء والتنمية. وهنا تبرز الحاجة إلى مزيد من التوعية وجهود المصالحة المجتمعية لترسيخ قيم التسامح والعدل.

إن الصعيد بين الأمس واليوم صورةٌ ناطقةٌ لرحلة مجتمعٍ يسعى إلى التوازن بين ماضيه الأصيل وحاضره المتجدد؛ فهو يحافظ على قيم الكرم والشهامة والترابط الأسري، ويصون المرأة والأرض باعتبارهما أثمن ما يملك، ويُجل الكبير ويفتخر بالأصل والعائلة، لكنه في الوقت ذاته يحاول أن يتخلى عن عادات لم تعد تناسب روح العصر. وبين الأمس المحافظ واليوم المنفتح، يظل الصعيد شاهدًا على قدرة الإنسان المصري على التغيير والبناء، متمسكًا بجذوره، ساعيًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا.

فالصعيد ليس مجرد بقعةٍ على الخريطة، بل قصةُ عطاءٍ وصبرٍ وكرامة. وما يحتاجه اليوم هو استمرار الجهود وتضافر الأيدي، كي يكتمل المشهد وتصبح كل قرية ومدينة نموذجًا للتنمية الحقيقية. فالصعيد يستحق أن يضيء كما أضاء في الماضي، وأن يكون حاضرًا في بناء مصر الحديثة، بنفس القدر الذي كان فيه مهدًا لحضارتها القديمة.

في الصعيد، لا تموت الجذور… بل تزداد عمقًا كلما اشتدّ العطاء.