مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الديناصور فالير، وسرّ النار

Img 20250516 Wa0003

 

كتبت: هاجر حسن 

 

كان يا ما كان، في قديم الزمان، فوق تلال خضراء بعيدةً، عاشت مجموعة من الديناصورات الأليفة في جزيرة هادئة. 

 

ومن بينهم، كان هناك ديناصور صغير لطيف يُدعى فالير. 

 

في صباح مشرق، نادت والدته قائلة: 

“استيقظ يا فالير، لقد حان وقت المدرسة.”

 

رد فالير وهو يدفن رأسه في الوسادة: 

“أشعر بألم في رأسي… لا أقوى على الذهاب.”

 

ابتسمت والدته بحنان وقالت:  

“سلامتك يا صغيري، سأحضر لك فطورًا طازجًا، ودواءً يُخفف من ألمك.”

 

مر اليوم بهدوء، ودرس فالير دروسه جيدًا في البيت، ثم حيا والديه، وغسل أسنانه،وذهب إلى النوم مبكرًا. 

 

وفي صباح اليوم التالي، نادته والدته مجددًا، لكنه قال بصوت خافت: 

“مازال رأسي يؤلمني…. لا أريد الذهاب.”

 

جلست الأم إلى جواره، ونظرت إليه بعينين قلقتين، وقالت بلطف: 

“فالير، انظر إلىّ، وكن صريحًا.”

 

تردد قليلًا، ثم همس: 

“أمي… أنا لا أحب المدرسة. زملائي يسخرون مني ويضايقونني دائمًا….أريد أن ادرس بالمنزل.”

 

اتسعت عينا والدته دهشة، وقالت:

 “ولكنك تلميذ متفوق! معلمك يحبك كثيرًا.”

 

خفض فالير رأسه وقال بحزن: 

“لكني مختلف… أنا الديناصور الوحيد في الصف الذي لا يستطيع إخراج النار من فمه.”

 

ربّتت الأم على رأسه وقالت: 

” لقد تحدثنا في هذا الأمر من قبل، وذهبنا إلى الطبيب. لا تعاني من أي مشكلة، فقط نموك أبطأ قليلًا، ومع الوقت ستنضج مثلهم.”

 

_ “لكنهم لا يرون ذلك… يضحكون عليّ، ولا يتقبلونني.”

 

_ “سأتحدث مع معلمك، ثم نقرر ما هو الأفضل لك.”

 

 

في اليوم التالي، ذهبت الأم إلى المدرسة وأخبرت المعلم بما يشعر به فالير. 

 

هزّ المعلم رأسه بإهتمام، وقال: 

“هل تسمحين لي بزيارته اليوم؟ أود التحدث معه بهدوء.”

 

وفي المساء، طرق المعلم باب منزل فالير، فتحت له والدته، واصطحبته إلى غرفة الصغير. 

 

جلس المعلم إلى جواره وقال مبتسمًا: 

“كيف حالك يا فالير؟ اشتقت إليك، وزملاؤك يفتقدونك.”

 

أجاب فالير بصوت خافت: 

“أنا بخير، معلمي.. وأنا اشتقت إليك أيضًا.”

 

_”ألا تشتاق إلى المدرسة؟”

 

_”لا… زملائي لا يحبونني. كثيرًا ما يسخرون مني ويضحكون عليّ. أشعر بها بالغربة والاختناق.

 

نظر إليه المعلم بحنان وقال:

” فالير، هل تعرف معنى اسمك؟”

 

هزّ فالير رأسه:  

“لا، لا أعرف…”

 

ابتسم المعلم وقال: 

“اسمك يعني (القوي)، وأنت بالفعل ديناصور مميز، ذكي، لطيف، وشجاع من الداخل. عدم قدرتك على إخراج النار ليست عيبًا، بل جزء من طبيعة جسدك. كل مخلوق ينمو بطريقته الخاصة، ولا أحد يشبه الآخر تمامًا.”

 

_ “سر قوتك يا فالير هو أن تتجاهل سخريتهم، فالكلمات لا تؤذي من لا يُعيرها اهتمامًا. كلما تجاهلتهم، سيملون، ويكفون عن مضايقتك. أما إذا هربت، فسيظنون أنك ضعيف، وهم مخطئون.”

 

_ “تميزك بأخلاقك وعلمك، وليس بالنار أو القوة الجسدية، فالله خلقنا مختلفين، وما يُميزنا حقًا هو قلوبنا وعقولنا.”

 

أطرق فالير لحظة ثم قال بثقة: 

” لقد فهمت.. لن أهرب بعد اليوم، وسأذهب غدًا إلى المدرسة..”

 

ربت المعلم على كتفه وقال: 

“العالم كبير يا فالير، وستقابل كائنات كثيرة. إن لم تكن واثقًا بنفسك، فلن تنجح، لا تخفض رأسك، كن فخورًا بنفسك دائمًا. المدرسة ليست للتعليم فقط، بل لتعلم كيف تواجه الآخرين، وتتقبل الاختلاف، وتثق بنفسك.”

 

ركض فالير نحو والدته واحتضنها قائلًا: 

“شكرًا لأنك تفهمينني، وشكرًا لأنك أرسلتِ معلمي.”

 

وهكذا، أدرك فالير أن النار ليست ما يصنع الديناصور القوي… بل القلب الشجاع والعقل النابض بالعلم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد يخشى السخرية، لأنه أصبح يعرف من هو حقًا.