مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحُرية

كتبت: آية الهضيبي

 

أسمعُ صوت الزرع وهو يتمايل بفعل الهواء، وأسمعُ صوت العصافير صباحًا وفي آخر النهار، هكذا هي الطبيعة خلقها اللّٰه حُرة يتأمل في جمالها مَنْ أراد ومَنْ يمتلك حس تقدير خلق اللّٰه سُبحانه وتعالى، وهكذا خلقنا اللّٰه أيضًا أحرارًا.

كُل إنسان يولد حُر وسرعان ما تُقيده بعض القوانين والعادات والتقاليد؛ ولكن في الحقيقة أنها لا بُد منها؛ لأن الإنسان بِحاجة إلى ما يكبح زمام شهواته وأطماعه كما هو بِحاجة إلى نفس القدر من الحُرية للانطلاق والإبداع.

يُعد الكاتب مُصطفى لُطفي المنفلوطي من أهم الذين تحدثوا عن الحُرية وقيمتها للحيوان مثل الإنسان؛ لأنه يشعُر مثلما نشعُر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تُقدم لها الطعام والشراب ولم تُطلقها تأكل من خشاش الأرض”.

والغريب الآن في العصر الحالي أنَّ البعض يقوم أهليهم بإطعامهم والإنفاق عليهم ومُراعاتهم وهذا واجبهم وفي النهاية يرغب هؤلاء الشباب في المزيد مِنْ الحُرية؛ فتقول الفتاة: “إنها الموضة” وتعود في وقتٍ مُتأخر ولا تُريد لأحد أنْ يُحاسبها وكذلك الشاب أكثر منها انفتاحًا وحينما يُفلت الحبل على الغارب يقع في المحظور ويحدُث الانحلال الأخلاقي والجرائم المُجتمعية؛ إذ لم يكُن هُناك رادع من البداية.

«الحُرية مسؤولية»

وكما هو شأن الإسلام دائمًا مع النزعات الفطرية للإنسان؛ حيث يبيح إشباعها، ويلبي مطالبها ضمن الحدود المعقولة، مع التهذيب والترشيد حتى تستقيم وتحقق الخير للإنسان، ولا تعود عليه بالشر، كان هذا شأنه مع نزعة حب التملك الأصلية في الإنسان؛ فقد أباح الملكية الفردية، وشرع في ذات الوقت من النظم والتدابير ما يتدارك الآثار الضارة التي قد تنجم عن طغيان هذه النزعة من فقدان للتوازن الاجتماعي، وتداول للمال بين فئة قليلة من المجتمع، ومن النظم التي وضعها لأجل ذلك نظم الزكاة والإرث والضمان الاجتماعي، ومن ثَمَّ اعتبر الإسلام المال ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، وشرع من التشريعات والتوجيهات ما يشجع على اكتسابه وتحصيله، ويكفل صيانته وحفظه وتنميته.

الحرية تكون حقيقة عندما يتحرر الإنسان من قيود الخوف وشهوة المال والجسد، وعندما ينطلق من سجن المادة وبطش السلطة، وأطماع الحياة، وعندما ينتصر على الأنانية المريضة، ويفك عن روحه وفكره وجسده حبائل الشيطان؛ تلك هـي الحرية.

«أنت حُر ما لم تضُر»

جاء الإسلام وأعطى للإنسان الحرية، وأخرجه من عبادة الأشخاص ومن عبادة ما لا ينفع ولا يضر؛ إلى عبادة الخالق المدبّر لهذا الكون، ولكل إنسان حريته، ولكلٍّ حقه في أن يتصرف بما يشاء -ضمن المسموح- وحرية الإنسان تنتهي عند الوصول إلى حق غيره؛ فكما لك حرية فلغيرك كذلك، وعند الاعتداء على حرية الغير، تنتهي حرية الفرد تماماً.

وهذا من أهم الأمور التي يجب أن ينتبه لها الإنسان، إذ أنه حر بشرط أن لا يعتدي على حق غيره ولا على حريته، فإن في الاعتداء ضرر والضرر محرم في الإسلام ومنهي عنه لما في من فساد في المجتمع.

 

وسواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الواقع لا يجوز أن تجلس خلف شاشة مثل الجبان وتتعدى على حُرية غيرك، وألا تلزم حدودك في الواقع في توجيه ما تُريد من إهانات وتجريح بِحُجة أنك حُر في التعبير عن آرائك، وألا تُعرض بأحد أو تفرض رأيك وشخصيتك على مَنْ حولك، وألا تُسيء إلى الدين والأخلاق وبالتالي يتشوه المُجتمع بِحُجة أنك حُر، وتُثير ضرر بالعين أو الأذن أو أي عضو من أعضاء الإنسان وذلك بِحُجة أيضًا أنك تُمارس حُريتك، انتبه دائمًا واستخدم حُريتك بحدود.