مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الحضن

بقلم الدكتورة إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)

الحضن ليس مجرد أن تمدّ ذراعيك لتضمّ أحدهم، بل هو حالة… طاقة… ودفء يعيد الروح إلى مكانها. نحن كبشر نحتاج إلى الحضن كما نحتاج إلى الهواء، وربما لا يصرّح الكثيرون بذلك، لكن الحقيقة أن الحضن يطمئن، ويُريح، ويُهَدِّئ، ويُداوي ما يعجز الكلام عن مداواته.

للحضن سحر خاص، فما إن تضع رأسك على كتف من تحب أو من يحبك، حتى تشعر بأن الدنيا رغم صخبها تهدأ فجأة، وكأن هناك من يهمس لك: “لا تخافي… أنا بجانبك.”
فالطفل مثلاً، أوّل وسيلة يشعر بها بالأمان هي الحضن. الطفل لا يفهم العالم ولا أصواته، لكنه ما إن تضمه أمه يشعر بأن العالم أصبح أبسط، وأن الخوف قد زال. فالحضن يبني داخله ثقة، وطمأنينة، وإحساسًا بأنه ليس وحده، وأن هناك صدرًا يعود إليه مهما كبُر.

أما الرجل، فرغم قوته ومظهره المتماسك، ففي داخله طفل صغير يحتاج إلى حضن يطمئنه. حضن المرأة التي يحبها قد يُنسيه هموم يوم كامل، ويجعله يشعر بأنه ليس مضطرًا ليكون قويًا طوال الوقت… فهناك كتف يُهدّئ، وصدر يحتوي، وقلب يرى أوجاعه دون أن يتكلم.

وأما المرأة، فالحضن بالنسبة لها ليس رفاهية… بل أمان. حضن الرجل الذي تحبه يمحو نصف تعبها، ويُشعرها بأنها مُقدَّرة ومُحتوى، وبأنها ليست مُلقاة وحدها في مواجهة الحياة. الحضن يعيدها طفلة قليلاً… لكنها طفلة مطمئنة وسعيدة ومتوازنة.

ونحن كبشر، يحتاج كل واحد منا إلى أنواع متعددة من الأحضان في اليوم…
حضن يطمئن، حضن يهوّن، حضن يقوّي، حضن يعوّض، وحضن يُحيي الجزء الذي مات من شدة الوجع.
هناك حضن الأم، وحضن الصديق، وحضن الحبيب، وحضن الابن… وكل حضن له معنى وطعم وأثر مختلف.

الحضن ليس ترفًا… الحضن علاج.
وإن مرّ اليوم دون حضن، نشعر بأن شيئًا ما ناقص… شيئًا كان بإمكانه أن يغيّر مزاجنا، أو يرفع همًّا عن قلوبنا، أو يمنحنا دفعة أمل نستكمل بها الطريق.

في النهاية… الحضن هو اللغة التي لا تخطئ، والدفء الذي لا يكذب، واللحظة التي تفهم فيها القلوب بعضها بلا أي كلمة.