حين يزرع اللونُ ربيعَه في قلب الظلام بقلم أمجد حسن الحاج
في صمت ليلةٍ يهيمن عليها ضوء القمر البعيد، يقف رسّامٌ هزيل الملامح، كأن الزمن صقله حتى صار هيكلًا يجرّ حكمته فوق الأعشاب الذابلة. يحدّق في أرضٍ أنهكتها الرياح، أشجارها جرداء، وحقولها كأنها فقدت أنفاس الربيع منذ أعوام طويلة. وبرغم هذا الشحّ الموحش، يمدّ يده المرتجفة نحو لوحةٍ تُشرق بألوانٍ لا تشبه شيئًا من حوله، كأنها نافذةٌ تُطلّ على عالمٍ آخر لم تلوثه الكآبة.
يرسم شجرةً باسقة تتحدى العدم، تمتد أغصانها نحو السماء وكأنها تصافح الأمل. يسقيها بخطوطٍ ناعمة تنبع من أعماق قلبٍ يؤمن بأن الجمال قادرٌ على هزم الخراب. فوق العشب الأخضر الذي ينساب فرَحًا في اللوحة، تتناثر زهورٌ صغيرة، تحمل خفّة الأرواح التي تعرف معنى البدء من جديد، حتى لو كان الواقع يلوّح بالذبول في كل اتجاه.
ذلك الرسّام العجائبي لم يأتِ ليؤكّد الموت، بل ليُثبت أن الروح تستطيع أن تُنبت ضوءًا، حتى عندما تحاصرها الظلال. لم يرفع رأسه نحو القمر ليطلب عزاءً، بل اكتفى بأن يخلق بيده قمراً آخر داخل عالمه، أكثر دفئًا، وأشد نقاءً، وأقرب إلى الحلم الذي لم يشيخ.
تبدو اللوحة الزاهية أشبه بجسرٍ صغير يعبر فوق هوّة اليأس، وبادرة رحيمة تُذكّر كل ناظرٍ بأن البهجة ليست حكرًا على الأيام المنيرة، بل قد تُولد وسط الرماد حين يتمسّك القلب بإرادة الحياة. وبينما يتأمل خطوطه الأخيرة، يخال المرء أن اللون هو السلاح الوحيد الذي يمتلكه هذا الكائن الذي تحدّى الخراب، ورسم بفرشاته ربيعًا لا يقدر الشتاء على اقتلاعه.
وهكذا، يظل المشهد كله درسًا صامتًا: ليس المهم ما يحيط بنا من سواد، بل ما نستطيع أن نُقيمه من ضياء داخل لوحات أرواحنا، حين نرفض أن نستسلم لفراغٍ يُريد أن يُطفئ كل شيء.






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري