مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الابتسامة هادئة

كتبت: أماني شعبان 

 

وقد رُسمت على شفتاي ابتسامةً هادئةً، تكاد تُخرج الحزين عن غيمة قلبه أسيرة صمته الدفين، ففي كل صلاة فجرٍ أرى ذلك العجوز مُتوِكئًا على عصاهُ، في ممر الأزاق ضيقة الأنفاس والمساحة؛ ليصل إلى المسجد كبداية كل يوم جديد لأذان الفجر، ونهاية من مشق يوم عمل يخنق الاعصاب، كبداية أحاديث جديدة مع الله في كل ركعةً، وفي كل سجدةٍ يشكر خالق الكون، ويشكو إليه ما يمر في أيام أعوامه، وأما بالنسبة لي كنت دائمًا أنتظر تلك العواصف من الأعذار الدقيقة، والإجابات المقنعة حتى تواجه هذا الصراع بداخل وجداني؛ كأنها حرب احتلال أقيمت بداخل أنفاسي؛ ولكن للأسف المرير لم تأتِ اليوم تلك الأعذار، وتركتني في صمت عالِ مثل السكوت الظاهري، وضجة داخلية تفتك خلايا دماغي وتسحق عظام رأسي من كثرة التفكير، لماذا فاتتني الصلاة؟ لما لم أصلي اليوم! كيف أتكاسل عن عبادة الخالق! مع أنني استيقظ كل أذان فجرٍ على ضجة ذلك العجوز وهو يطقطق عصاهُ على الأرض ذاهبًا إلى المسجد في خطى هادئة كالطفل الصغير، أسمع نبرة صوته كل يوم في أنين الليل يأذن لصلاة الفجر، أراه كل يومٍ لا يمنعهُ بردٌ ولا مطرٍ ولا حتى صوت عويل الذئاب، فتمر بينا الأيام والشهور وهو على ذلك الحال وأنا ما زالتُ في غفلةٍ، وكلما أيقظتني عصاهُ واجهتها عاصفةً من الأعذار التي لا تنتهي، وتبدو منطقيةً إلى عقلي العقيم، فأغرق من جديد في سباتي موافقًا أعذاري على غدر عقلي بقلبي الهذيل، فإلى متى! إلى متى سأظل أستمع إلى عقلي العقيم، ووسواسة الشيطان الحقير، قررت ذات يومًا ما أن أسير إلى ربي متناسيًا ما حولي من ملهيات عن عبادتي، فقد رأيت هناك رجلًا يصلي لا! بل كانت حالةً! من العشق الدفين بينه وبين خالق الكون، جابر القلوب، فقد كان منغمسًا في صلاته؛ وكأنه لا يرى أحدًا، هادئًا، مطمئنًا، خاشعًا، كان يستغرق في كل ركعةً وسجدةً ما يستغرقه الكثير من البشر؛ لأجل ركعات اليوم أجمع، تساءلت في داخل وجداني: ماذا بينه وبين الله ليكون بكل هذا الأطمئنان؟ ماذا بينه وبين ربه ليكون بكل هذا النور والصفاء في وجهه؟ وكم تمنيت أن أكون مثله ذات يومًا ما، وها أنا بعد تلك الأعذار أكتب لكم هذه الحروف بعد العديد من سنوات فاتتني فيها صلاة، بعدما استقبلت يومي بصلاة الفجر، واستمتعت بقهوتي الصباحية في وضوح النهار، التي كانت لها الأثر في ابتسامة هادئة مطمئنة في حياتي.