مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الإمتاع الروحي

كتب: محمد صالح 

 

الروح واحدة من المواعين النوعية التي تبث الحيوية، وهي ذات المكون الذي يحدث الضجة والحراك الذي يوظف المكونات بطريقة فيها نوع من النشاط والتفاعل، وهذا التوظيف يحمل في روعاته النبض والطاقة الكهرومغناطيسية التي توفر عدد من الجهود التي تجعل كافة المكونات لها الصفة الخاصة بلعب أدوار تعالج كافة أنواع المدخلات، من تفكير وتدبير وعواطف وحزن وغيره، وهي في قرارة شغلها تجعل الدماغ يتحكم في معطيات الحياة بطريقة ترتب الأولويات وتدفعه ليتمكن حرًا من الإختيار.

 

الإمتاع الروحي، جانب مهم من جوانب الحياة، فالروح مكون حيوي يحتاج للإمتاع والتغذية، ومن يعرف كيف يمتع الروح، يعرف كيف يعيش بسعادة، نعم أنا ككاتب من قال ذلك ومسؤول عنه، الذي يعرف إمتاع الروح يعرف طريق السعادة.

 

فالروح لها متعة، البعض يمتع روحه بالحب والعاطفة والإنفعال، وفي الحب عندما تختاره للإمتاع الروحي يجب أن تعرف أنه يعمل شقين إنفعال إيجابي وإنفعال سلبي، ولذلك يمكن أن يؤدي بك إلى الهاوية والحزن، في الوقت الذي يمكن أن يسعدك، ويعتمد على الطرف الآخر، إلا إذا كان هذا الحب بينك وبين الله، أي الإمتاع الروحي بالحب الإلهي؛ فهذا مختلف وله مخرجات أخرى.

 

من يمارس الإمتاع الروحي عن طريق الصداقة والأسرة، كله إمتاع مؤت ويمكن أن ينقلب عليك وضد السعادة، ومنا من يمارس الإمتاع الروحي في الخدمات، بأن يكون خدومًا للآخرين، وهذا فيه درجة من نكران الذات، لكنه يحتوي على الكثير من اللغط والتداخل مع الخلق، وهذا يحتاج خبرة واسعة في القبول والتعامل والإسلوب، ولا بد من حدوث بعض الشروخ، فالكل ليس ملائكة وإنما بشر مجبولون على الخطأ والنسيان، وهذا فيه حدوث إنفعال إيجابي وسلبي أيضًا، وبالتالي الإمتاع في هذا الجانب ناقص.

 

هنالك من يمتع روحه بممارسة المواهب، كالغناء والتمثيل والتفكير والكتابة وغيرها، وهذا إمتاع جيد ويفتق الدواخل وينمي القدرات ويسعد الجماهير، لكنه يحتاج لشعور مستهلك وحس مباد ومتآكل وينقص من الدواخل ويعبد الطريق نحو الإضاءة للآخرين حتي موت هذه الشمعة، يحتاج ليقين وإيمان كبير بما تحمل من رسالة، تتعب في سبيل إيصالها سنين، يحتاج لكل التغذية الروحية التي جمعت فيك، يضفي عليك جو من السعادة، لكنها معرضة للإنهيار في أي لحظة، حيث سقف الوعي، الكوب الثقافي، المعرفة، القبول، الإعتراف، وغير ذلك، فهذه المحددات هي من يتحكم في هذا النوع من الإمتاع، بالإضافة للطاقة الجبارة من الإشراق الذي يلزمه الموهوب، ونحت الزكاء، وتوليف بعض المعاني ليتسق السياق، لضرورة حدوث التغيير والإصلاح، وهي قضية تحتاج الكل الحياتي لتتبدى للعيان، وبالتالي يمثل هذا النوع من الإمتاع الروحي تفتق وتناجي وتأمل، لكنه قد يبيدك على آخرك ، ويحرق فيك كافة شموعك عندما تصل لمفارقة عدمية وصفرية من تلك المحددات، الوعي والثقافة وغيرها، وسيصيبك الزبول وقد تركن في مصحة المجانين في نهايتك، ولذلك قد يمثل إمتاع حقيقي لكنه محفوف بالمخاطر والأضرار النشاذ والحادة.

 

الذين يختارون أن يمتعوا روحهم بالدعابة والفكاهة وغيرها في حالة أشبه بالفراغ، هؤلاء إمتاعهم لحظي وإمتداده لوقت قريب، ويرجعون لحياتهم المملة من جديد، أما الإمتاع الروحي عن طريق العمل الشاق والتعب للتخلص من الإشغال الروحي ومحاولة ملئ الفراغ الروحي، فإنه مهلك للجسد، فارغ المضمون، عابس المحيا، ومفرغ من الضمير، وجسد بلا حيوية وصحة جوهرية، ما يغرقك في الفوضى والنهايات المغامرة، وتسليم جسدك للعواصف والإنجراف نحو الهاوية، وبالتالي نتيجة غير مضمونة من الوجود نفسه.

 

الإمتاع الروحي من خلال الوظيفة، والإعتماد عليك في آداء بعينه، قد يشبع فيك بعضًا من المعاني، لكنه يظل خالي الوفاض من التراتب الحر والإختيار، والذي يلعب دور في إضفاء نوع من الإبداع، والذي يمكنك من ممارسة هيبتك وهويتك الحقيقية، وبالتالي يشكل خصمًا عليك.

 

هنالك من يمارس الإمتاع الروحي عن طريق التأمل والإبداع، فهذا يشكل مسرحًا من الإيثار والخلوص إلى نواصي تزهر للآخرين، وتشعل جزوة مميزة من التخطي، والترقي، لكنه يعمل على خصم معاني أخرى من الممارسات الحياتية، غير أن هذا النوع يحتاج من يعرف قيمته، ويعرف تقديره، ليتحقق الإفادة وبالتالي المكانة، ويحدث التفاعل الإيجابي الذي يدعم التوجه المشرق، لكن هذا الإمتاع مؤقت، وإستمراره مرهون بأحداث الحياة وغيرها.

 

هنالك من يمارس الإمتاع الروحي عن طريق ممارسة العبادات والطقوس الدينية، يذوب كليًا ويتماهى في الرهبانية والإنعزال، يعيش الإمتاع بطريقة تنحو تجاه التصوف والتعبد والمراس الصفوي الخلاق، والمضي قدمًا نحو الصفاء والنبل والضياء والإلهام، والتواصل والدخول في ميادين الشفافية المطلقة، والإتصال بالناموس الكوني الكبير، وهذا النوع من الإمتاع يدخل في ضرب الإمتاع الروحي الشامل والكلي، وهذا يحتاج للذوبان الكلي، والحضور العميق، والإنتشار التلقائي، والهيام في فضاءات السوح الملائكي العظيم، والتلاقي مع المكونات الأخرى والتعرف عليها، وحدوث آثار هذا التلاقي والتلقي، وهذا فيه نوع من التماهي غير الحقيقي، والديمومة العاصفة، والخلود الأبدي للحفاظ على هذا الإمتاع، وهذا يصعب على البشر الإمتداد فيه، وبالتالي لا يوصل لأهداف الحياة.

 

هنالك من يمارس هذا الإمتاع بنوع آخر من الضروب، وهو ممارسة القيادة الروحية، وهي تعني النيابة والتبني الخالص لقيم الإله السماوية، وهذا ما يدعيه الكثير من القديسين والقسيسين. الرهبان والحاخامات، وفيه نذر كثيرة ومتطلبات وشروط تبقيك في إطار ثابت إجتماعيًا، وتحولك لصنم لاهوتي كبير، يبدو عليك البريق فترة، لكنك تذبل وتنتهي بعد فترة طويلة، وهذه هي الحكمة من أن الإله واحد، ولا يمكن أن يتعدد أو ينوب عنه أحد.

 

ممارسة الإمتاع الروحي من خلال التوسط في الحياة، هو الإسعاد الحقيقي للفرد، لكن مهم أن نعرف عندما يعتمد علينا العالم في نوع معين من الإمتاع يشتهي ويحبز ممارستنا له، فواجب علينا تلبية طلب المجتمع، وممارسة حياتنا الباقية بنوع من التوازن، فالمنهج الوسطي والوسطية هي الميزان والمنهج الذي يقوم حياتنا وينجز الكثير من السعادة.