حِوار: ضُحى مَهدي
يَقول شكسبير: إنّ من ننجذب إليه فكريًا يكن جميلًا في أعيننا، ومن هُنا فإن العين ليست نافذة العقل وإنما العقل هو نافذة العين.
وهكذا كان أستاذنا الكبير، ينجذب لكل من وَجد الجمَال فيه، لأنه ذو روح جميلة وفِكر مُتقد بحق، يدرك قيمة الجمال، فكان له الأثر الأجمل، ولولا أمثاله لما تَجملت تفاصيل الحياة بالخير والأمل.
ظل كطائر الفينيق، تتجدد فيه العزيمة على الدوام ليبدأ من جديد؛ فقد فتح لنا نوافذ الشغف لنيل الهدف، وجعلنا نتوق للتعمق بالأدب، وتسلقَ جبال الطموح بثبات، ورسم بكلماته الأنيقة لوحة الحقيقة.
وأتحفنا بحروفه الندية فقال:
ضامِمًا بأهدابي أطيافها أنا مدينٌ لها، مدينٌ بجزئياتي وعناصري؛ فهي الموحيّة لكلّ تفاصيلِ الجمال، أنا مدينٌ لنفسي أيضًا التي ترافقني عندما أُطلقُ صيحاتي، فهي التي تربّت عليّ بهدوء حين أجزعُ من كلّ الوجود.
أما عن الطقوس المفضلة لإتمام أي عمل بالنسبة له قال لنا:
ما تفعلهُ بصمت، تدركهُ بِعناية؛ أنّي أعيشُ في صومعةٍ ملأى بالزهور، أتجرّد من أنفاسي المُتعبة، وأخلعُ عنّي أعباءَ الحياة، لأسيرَ عاريًا من كل المبادئ والقيم..
أكاد أجزمُ أنّ الكتابةَ يجب أن يُستحضر لها، أن تحرقَ بخورَ ألمك، وأن تستدعي وحي الكتابةِ، وأن تكتبَ طلاسمَ مُترعةً بالحب هذه هي الطقوس لدي أسمعُ الموسيقى الصوفيّة تحديدًا فأنفاسي مُتعبة، وحنجرتي نايٌّ مثقوبٌ، وهذه الأصداءُ التي يصدرها قلبي، ماهي إلا تموّجاتٌ اثيريّة تعانقني قليلًا، وترفعني على الأيادي لتقدّمني قربانًا للآلهة؛ لأعود مثل الطفلِ الذي يحملُ في رضابِ شفتيه قطعةً من زبدِ البحر، وعلى يديه رسمتْ له الملائكةُ خارطةَ الزمن، وعلى وجنتيه قبلاتٌ من بنات البحرِ.
وأخبرنا عن تجربة مر بها وأفادته جدًا في شتى مجالات الحياة أيضًا وأكمل:
أقسمُ لكم بأن خيالَ الكاتبِ مؤلمٌ، فهو مليءٌ بالصراعاتِ والحروبِ الدامية، التجاربُ كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى، ولكن الصنديد الذي يبقى شامخًا خلفَ كل تلك الكدمات، لقد سموتُ بروحي من خلال التجارب ولا شيء أسميه فشلًا
فسلّم الحياة مليء بالأشواك، كنتُ أرنو للعلاء ولا أزال أطمح بأن أبني بيتًا في الخيال، أشبه بالنسرِ الذي يعتلي قِمم الجبال الشّاهقة، الحياة مملوءةٌ بالسّمومِ مثل مستنقعٍ، مليء بالأفاعي والكلّ يريد أن يلتفَ حول الأعناق ويحبسَ الأنفاس.
سيّجتُ روحي بجيشٍ، سلاحهُ العطاء وزادهُ الشكرُ، كنت أقفُ أمام جيوشي وأهتف بهم وحين أتعب قليلًا أستريح تحت ظلِّ الأشجارِ الباسِقة، حين أغمضُ أعيني وأقلب نظري للداخل، أرى معاركًا ونورًا سرمدّي وأسمع صيحات الدّهر وحين أفتحهما أُصابُ بالعمى، نحنُ القشورُ والألباب، نحن البذورُ التي غاصتْ بها الأرض فلا أمطرتْ السّماء ولا جفّت افواه البشر، نحن أبناءُ الحيرةِ لا ملجأ ولا منجى منّا، نحن الأيادي الخفيّة التي تستشعرُ الحدث قبل وقوعهِ، نجوبُ الوديانَ ونلحق الهتاف في شعابِ الجبال، ظاهرنا قوةً وباطننا رحمةً إلهيّة.
نحن الكرمةُ والمعصرةُ، نحن الأواني التي لا تهتهكا الرياحُ، وخوابي الدّهر محمّلةً ومشبعةً بخمرٍ، لو أمطرتهُ نفسي لثملَ منه كل البشر، احصدوا قمحي، واجنوا كرومي بخوابي الدَّهرِ واعصروا عناقيدَ أيّامِ حُزني وارقصوا فوقَ قَبري مع بَتلاتِ الفجرِ وضمِّدوا تباعيضي بماءٍ يروي قمحَ الفُقراءِ ويُزهر وردُ العُشِّاقِ والغياب.
ووجه كلمة شكر لكل من عرفه، ورسالة لكل شخص يسعى للنجاح كذلك قائلًا:
كلّ من عرفني كان بحيرةً، وأنا الوحيد الذي كنت أنظر لنفسي به كانوا يرمونَ الحُصاة في البحيرة، فأتزعزع فأصبح دائرةً فأتماوج مثل زنابق الماء؛ لأعود مرّات ومرّات مشبعًا بالهدوء، مليءٌ بالسّكينةِ، فالصمتُ هو لغةُ الله، وسرّ الكونِ يكمنُ في الهدوء، أن تتّزن وتشرق بصمت مثل الشمس، وأن تنمو مثل الجبال الشّاهقة بكل عنفوان، وأن تحصي قطرات نفسك لتحفرَ جدول السنين.
تفرّد بذاتك النورانيّة واكتب حتّى لا تنضبَ روحكَ، فسبيلُ العشقِ لا يجوزُ على الأموات، الأحياءُ وحدهم من ينهلون عبيرَ الوجود، هم وحدهم من يسبقون خيوطَ الفجر، لتتسامى صلواتهم في أرجاءِ الكون، فالقلاعُ وحدها من تبني نفسها بعيدًا عن البيوت الصغيرة.
وفي الختام نتمنى لأستاذنا الكبير جُبراني الحَرف، مستقبل باهر يليق به، وله مني ومن مجلتنا تَحية طيبة إلى يوم يُبعثون.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب