استراحة سيزيف بقلم أمجد حسن الحاج
جلس عند منتصف التل، يتأمل ما بين السماء والأرض، وما بين أنفاسه الثقيلة وصمت الوجود الممتد من حوله. خلفه صخرة عمره، تلك التي ظل يدفعها منذ بداياته الأولى دون أن يبلغ بها القمة أو يتركها تهوي إلى القاع. كأنها قدره الثقيل المربوط بخيوط غير مرئية بين الإرادة والاستسلام. كان يشعر أن لكل إنسان صخرته التي يجرّها بصمتٍ، وإن اختلفت الأشكال والمظاهر، فإن الألم واحد في جوهره.
توقف للحظة، ليس لأنه تعب من الدفع، بل لأنه أراد أن يسمع نفسه بعد طول صخب. أراد أن يختبر طعم السكون حين يخفت صراخ القلب، وأن يرى الربيع الذي غفل عنه وهو منشغل بمعاركه الصامتة. الأزهار تتفتح حوله كأنها ترحب بضعفه، والريح تداعب وجهه كمن يواسي صديقًا أرهقته الحياة.
نظر إلى الصخرة، لم يرَ فيها عبئًا فحسب، بل مرآةً لأيامه، ورفيقةً في طريقٍ لم يختره تمامًا لكنه مضى فيه حتى صار يعرف كل حجرٍ فيه وكل ظلٍ يمرّ فوقه. أدرك أنه لم يكن يحيا فقط ليدفع الثقل، بل ليعرف معنى الصعود نفسه، معنى أن تنهض بعد كل انحدار، وأن تبتسم رغم أنف التعب.
في تلك اللحظة أحس أن القوة ليست في الاستمرار بلا انقطاع، بل في أن تمنح روحك فسحةً بين دفعات الألم، أن تجلس قليلًا لتسمع نداء الهدوء الداخلي الذي يحاول أن يذكّرك أنك لست آلة، وأن الحياة لا تُختصر في الصراع.
رفع رأسه نحو الأفق، فبدا له أن الشمس لم تبتعد كما ظن، وأن السماء ما زالت تمنح لونها لمن يرفع عينيه. أحس أن في داخله بذرة ضوء صغيرة، كفيلة بأن تنير عتمة الأيام الطويلة، وأن الصخرة، مهما بدت ضخمة، ليست سوى امتحانٍ لمدى ثباته على الطريق.
ثم نهض ببطء، وضع يده على الصخر كما يربّت على كتف صديق قديم، تنفس بعمقٍ، وشد عزيمته من جديد. لم يعد يراها عبئًا بل جزءًا من قصته، وها هو يكمل المسير، لا بحثًا عن القمة فقط، بل عن ذاته التي تتشكل مع كل خطوةٍ بين الألم والأمل.
هكذا تكون الحياة — لا راحة فيها إلا لمن يتقن معنى الوقوف بين العناء والجمال، ولا انتصار فيها أعظم من أن تنهض بعد الانكسار بابتسامةٍ تعرف أن الصخرة لن تزول، لكنها لن تملكك أبدًا.






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري