كتبت: ملاك عاطف
منار، شابة تجول بأحلامها في ربوع ربيعها الثامن والعشرين. كانت تعيش مع زوجها وطفلتها “عهد” حياةً هادئة، تعجّ بأمنياتٍ يانعة وأحلامٍ بسيطة، كان يحملها لها زوجها على كفوف الحقيقة، متجاهلًا الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد.
في إحدى الليالي، خرجت منار من منزلها برفقة صغيرتها؛ لتبيت في منزل أهلها. لم يكن أحد يعلم أن وسادة القبر ستصارع وسادة سريرها، وتندسّ تحت رأسها إلى الأبد. هكذا شاءت الأقدار، وهكذا جرى قضاء الله؛ بنوبة فزع حادّة، تكلّلت بالشهادة.
كان مصاب أهلها جللًا، وصدمة أحبّائها وزملائها سيدة المشهد؛ فلم يتخيّل أحدهم أن حتف منار سيكون بهذه الطريقة، ولم يتوقّع زوجها أن ترحل بهذه السرعة، قبل أن يتمّ بناء الحلم.
في لقاء صحفي، قال زوجها: “كل شيء كان طبيعيًا، كنا قد اتفقنا على اللقاء صباحًا للذهاب معًا إلى العمل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تخرج فيها وحدها، لكنها المرة الأخيرة… ما حدث حوّل الطبيعي إلى حسرة، والعادة إلى غياب طويل لا يعرف طريقًا للعودة.”
في طريقها إلى منزل أهلها، اصطدمت سيارتها بالحاجز الإسمنتي، ليتوقف قلبها على الفور، إثر فزع حادّ تملّك ردّة فعلها. وحسب أقوال زوجها، فقد اتصل بها ليطمئنّ عليها، فأجابه المسعفون، وأخبروه بأن منار ترقد في العناية المركّزة، وأنهم عندما وصلوا إليها كان قلبها قد توقّف تمامًا.
كان يحلم بأسرة كبيرة، وكانت تعيش فرحة عارمة بعد حصولها على شهادة مزاولة المهنة. لكنها تركت كلّ شيء خلفها، ومضت إلى منزلتها العليا. اكتفت بوداع حميمي فاجأ زوجها، لتفسّره بعد حين منيّتها بأقسى معاني الفقد.
لم تسعفه كلماته المتعثّرة بالحزن، فبكاها دموعًا مقهورة أمام عدسات الكاميرات، واختتم حديثه قائلًا:
“فقدت روحي، رفيقة الدرب، أنيسة الروح، كلشي فقدت. كنت بدي أكبر العيلة. كانت فرحانة بآخر ورقة، مزاولة المهنة. عالتثبيت رايحة يا محمد… قضاء الله وقدره.”
هكذا اعتاد أن يطبّب الفلسطيني وجعه؛ بحمدٍ لا يفنى، وبرضًا لا ينضب.






المزيد
نورٌ لا ينطفئ بقلم خيرة عبدالكريم
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
حين خان القلب: بقلم: بسملة عمرو